الصفحة 14 من 49

المناهج الحديثة يرجع جذورها إلى ذلك العصر. ومن بين تلك العلوم علم الحديث.

سأحاول من خلال استدراكات أم المؤمنين عائشة على روايات الصحابة أن أستخلص منهجية خاصة بها في نقدها للمتون. غير أن ما يجدر الإشارة إليه هو أن نقد عائشة -أي ردها لبعض الروايات، أو تصحيح مفاهيمها- لا يعني أبدًا ردها لقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو رد لقول منسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبب خطأ أو وهم أو نسيان الراوي. يقول المستشار سالم البهنساوي في هذا الصدد:"أما توقف بعض الصحابة في قبول بعض الأحاديث المنسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكن توقفًا في قبول سنة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هو تحفظ على رواية بعض الصحابة لأحكام قد شذوا بها عن الأحكام الثابتة لدينهم في القرآن والسنة النبوية" [1] ، ويضيف:"أخذ بعض العلماء من هذه الرواية (يقصد نفقة المطلقة بثلاث) دليلًا على أن الصحابة كانوا يردون أحاديث الآحاد إذا خالفت القرآن أو السنة المشهورة، وهذا ليس صحيحًا، فالثابت أن عمر بن الخطاب لم يرد حديثًا نبويًا ثابتًا، بل رد رواية هذه المرأة". [2]

وبالإضافة إلى استخلاص المنهجية، فقد جاء في متن الروايات التي نقدتها عائشة، تعليقات نستلهم منها مقومات بديهية [3] أولى للمنهجية وهي تخص الراوي. وقبل عرض تلك البديهيات سأقوم بتوطئة

(1) البهنساوي، المستشار سالم البهنساوي. متن الحديث النبوي بين أهل العلم وطلاب الاجتهاد، بحث ألقاه في ندوة"السنة النبوية ومنهجها في بناء المعرفة والحضارة"عقدت بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمّان، من 15 - 19 ذي القعدة 1409 هـ، الموافق 19 - 23/ 6/1989/ مجلد 2، مؤسسة آل البيت، ص 698 - 699.

(2) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

(3) تعتبر بديهية بالنسبة لعائشة ومحل نقاش بالنسبة لغيرها لذلك كتب حولها الكثير ابتداء من الصدر الأول وحتى يومنا هذا وخاصة بعد وقوع الفتنة الكبرى. وتعمدت اختيار هذا المصطلح لأبين بأن تلك المقومات كانت تعتبرها عائشة أمورا بديهية مسلم بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت