المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فوق كل اعتبار. وحاولنا استخراج المقاييس التي اعتمدت عليها عائشة رضي الله عنها في استدراكاتها بناء على علمها بما يخالف غيرها، أو قريحتها الوقادة ثم استخلاص طرق التعامل مع تلك المرويات. وفيما يلي بيان موجز ببعض هذه المقاييس.
اعتمدت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على نصوص قرآنية لنقد متون الأحاديث التي تدور في مجال العقيدة، وهي أربعة:
-الحديث الخاص برؤية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ربه، روى البخاري عن مسروق قال:"قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه هل رأى محمد ربه؟، فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه فقد كذب [1] ؛ ثم قرأت الآية {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام: 103) ، {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب.} (الشورى: 51) [2] "
-الحديث الخاص بالشؤم في ثلاث: الفرس والمرأة والدار، روى أحمد من طريق قتادة عن أبي حسان"أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الطيرة في الفرس والمرأة والدار"، فغضبت عائشة غضبًا شديدًا وقالت: ما قاله، وإنما قال:"إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك". [3] وروى الإمام أحمد"
(1) تحمل هذه الكلمة على معنى"أخطأ"في هذا الموضع، لأنها قد تستعمل لمعان أخرى في مواضع مختلفة، كما تدل عليها استعمالات العرب منها: استعمالهم الكذب في موضع الخطأ، انظر:
ابن منظور، لسان العرب، ج 1، مادة كذب، ص 704 - 711.
(2) الحديث رواه البخاري، كتاب التفسير، سورة النجم، ح 4855، أنظر: فتح الباري ج 8.
(3) أنظر شرح الحديث: البنا، أحمد عبد الرحمن البنا، الفتح الرباني، كتاب الجهاد، باب: ما يذكر من شؤم الفرس، ج 6، ص 60 - 63، والحديث صحيح، انظر:
-الشوكاني، الإمام محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني (ت 1173 هـ) . إتحاف المهرة في الكلام على حديث لا عدوى ولا طيرة، طنطا: دار الصحابة للتراث، ط 1، 1412 هـ /1992 م، ص 67.