الصفحة 30 من 49

هذا، وأثناء تعاملنا مع تلك الاستدراكات وجدنا ما وقع في الرواية المستدركة من الوهم أو الخطأ أو النسيان، فمنها ما أدخلت عليه عائشة رضي الله عنها تعديلات، ومنها ما ردته. وقيامها بذلك لا يعني المساس بحديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، أو المساس بالصحابي وإنما يعني نقد نسبته إلى المصطفى، أو فهم الراوي الذي يتعرض للخطأ، أو الوهم، أو النسيان كما صرحت عائشة في استدراكاتها.

أما ادعاء التعارض الحقيقي بين المرويات التي ثبتت صحة سندها ومتنها وفهمت في ضوء جميع أبعادها وملابساتها افتراء على رسول الله لأننا إذا تيقنا أن ذلك الحديث ورد، وأنه لا ينطق إلا بالحق، فلا يمكن أن يتعارض المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في أقواله لأنه كان مدعمًا بالوحي، فلا يفوت على الله عز وجل تصحيح ما قد يخطئ فيه المصطفى عليه الصلاة والسلام في الأمور التشريعية المكلف بها، إن ادعاء كهذا يقدح في نبوته أصلًا.

فالمشكلة تكمن في أنه قد يظهر تعارض ظاهري، ولا ضرر في ذلك، فقد يكون السند قويًا، وراوي الحديث صحابيًا مشهورًا بالضبط، إلا أنه قد يكون وهَمَ أو أخطأ أو نسي ما دام إنسانًا فهو غير مدعم بالوحي الإلهي كالنبي المعصوم، أو خفي علينا بعض أبعادها وملابساتها ويمكن إزالة الإشكال، فلقد وضع العلماء طرقًا لدفع هذا التعارض، على رأسها محاولة الجمع بين الروايات، وإن تعذر فينظر في الناسخ والمنسوخ إذا أمكن ذلك ثم الترجيح ثم التوقف. [1]

لقد سنت عائشة رضي الله عنها سنة حسنة عندما استدركت على الصحابة الذين لا يشك في ضبطهم، ولم تجد في ذلك من حرج، فسنة

(1) السوسوة، عبد المجيد محمد إسماعيل. منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث، دار النفائس، ط 1، 1418 هـ/1997 م، درء التعارض، والمؤلف هو من بين أكثر من كتب في درء التعارض، فثمة اختلاف بين العلماء في قبول الترجيح، فالبعض أيده والآخر رفضه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت