بفضل المكانة الاجتماعية التي كانت تعيشها عائشة رضي الله عنها والعناية الأبوية والنبوية قبل زواجها بالمصطفى [1] وبعد زواجها به - صلى الله عليه وسلم - بفضل هذه العناية اكتسبت عائشة شخصية سليمة وأكثر توازنا، فصارت ذات عقلية متفتحة معتدلة فريدة في عصرها، خاصة في وسط النساء، لا تخشى في جرأتها أو نقاشها أو استفسارها إلا الله. تطورت هذه المكتسبات بعد زواجها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكانت أقرب الناس إليه فحصلت بذلك على أسباب حسن التلقي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلمه النظري والتطبيقي، تعلمت كيف تستقل برأيها عندما يتعلق الأمر بإرضاء الله عز
(1) كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري في أن قرار زواجه منها جاء من عند الله. أنظر:
-العسقلاني، الإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. فتح الباري، لاهور: دار نشر الكتب الإسلامية، 1401 هـ/1981 م، رواه البخاري في كتاب التعبير، ج 12، ح 7012. وفي رواية أخرى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أُريتك في المنام مرتين ورجل يحملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك، فأقول: إن يكن هذا من عند الله عز وجل يمضه". وفي رواية عن حبيب مولى عروة قال:"لما ماتت خديجة حزن عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - حزنا شديدا، فبعث الله جبريل فأتاه بعائشة في مهد فقال: يا رسول الله هذه تذهب بعض حزنك وإن في هذه خلفا من خديجة ثم ردها، فكان رسول الله يختلف إلى بيت أبي بكر ويقول يا أم رومان استوصي بعائشة خيرا واحفظيني فيها، فكان لعائشة بذلك منزلة ثم أهلها ولا يشعرون بأمر الله فيها. فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما في بعض ما كان يأتيهم وكان لا يخطئه يوما واحدا أن يأتي إلى بيت أبي بكر منذ أسلم إلى أن هاجر فيجد عائشة متسترة بباب دار أبي بكر تبكي بكاء حزينا. فسألها فشكت أمها فذكرت أنها تولع بها، فدمعت عينا رسول الله ودخل على أم رومان فقال: يا أم رومان ألم أوصك بعائشة تحفظيني فيها فقالت يا رسول الله إنها بلغت الصديق عني وأغضبته علينا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: وإن فعلت قالت أم رومان: لا جرم لا سؤتها أبدا". أنظر:
-ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البصري الزهري (ت 230) ، الطبقات الكبرى، بيروت: دار صادر، ج 8، ص 78. (سرقة من حرير: قطعة من جيد الحرير) أنظر
-ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار صادر، ط 10، 1410 هـ /1990 م، ج 1، مادة سرق، ص 157. إن هذه المقدمة الأولى لخطبة عائشة لها وقفة خاصة، فإن دلت على شيء إنما تدل على أهمية هذا الزواج، و هذا ما يجعل عائشة تحت عناية الرسول.