وجل، فلقد رفضت أن تستشير أبويها عندما عرض عليها الاختيار بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة، ولم يعترض المصطفى - صلى الله عليه وسلم - على رد فعلها. [1]
وتعلمت منه كيف تعبد الله على بصيرة، فلم يمنعها حبها لرسول الله وطاعتها له من الاستفسار والنقاش، فلقد ساهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشكل خاص في تنمية قدراتها العقلية بدل كبتها، فكانت من بين ثمار ذلك الجهد فيها أنها لا تأخذ من رسول الله ذلك العلم بشكل تقليدي، بل سمح لها -بتكوينه لها- بأن تنقل عنه ذلك العلم بشكل دقيق، وساعدها على تمحيص ما تعلمته من مناقشتها له واستفساراتها منه، مثلما تدل عليه بعض الروايات.
روي عن عبد الرحمن ابن سعيد بن وهب الهمداني أنه قال: تقول عائشة: سألت رسول الله عن هذه الآية {وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ أَنَهُمْ إِلىَ رَبِهمْ رَاجِعُونَ} (المؤمنون: 60) ، قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يتقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات [2] ، وأمثلة أخرى لا مجال لذكرها."
تخرجت عائشة من مدرسة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهي مرباة بتربية رفيعة وعقلية فذة أهلتها لتتحمل مسؤولية وموقعًا فعّالًا في مجتمعها بعد أن توفي عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك في الثامنة عشرة من عمرها. وتجلت بوضوح
(1) النووي. صحيح مسلم بشرح النوويّ، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط 3، 1404 هـ/1984، رواه مسلم، كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيره امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية، ج 10، ص 178.
(2) بن عيسى، أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة. سنن الترمذي، تحقيق د. مصطفى محمّد حسين الذهبي، القاهرة: دار الحديث ط 1، 1419 هـ/ 1999 م) رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، ج 5، ح 3175.