لا يكون إذا قيل: نفس عصام سودته، شيء منه ألبتة [1] .
تحدث الفراء في كتابه"معاني القرآن"عن تكرار الحروف، فأجاز الجمع بينهما إذا اختلف المعنى، ومنعه إذا اتَّحد، ومعنى هذا أنه لا يجيز التكرار في المعنى واللفظ إلا ما كان لتشديد المعنى، ومثله قول الشاعر:
من النفر اللاء الذين إذا هُمُ = تهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا [2]
ألا ترى أنه قال:"اللاء الذين"ومعناهما الذين، استجيز جمعهما لاختلاف لفظهما، ولو اتفقا لم يجز، لا يجوز"ما ما قام زيد"، ولا"مررت بالذين الذين يطوفون" [3] ، وأما إذا قال القائل:"ما ما قلت حسن"فهو جائز؛ لأن المعنى مختلف، فالأولى نافية، والثانية في مذهب"الذي".
أما إذا اتحد في مثل قوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35] فذلك حسن لما فرقت بين"أنكم"وبين خبرها بإذا.
والفراء يجيز تكرار الجمل بشرط أن يكون هناك غرض بلاغي؛ كالتغليظ - مثلًا - في قوله تعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 3، 4] ، والكلمةُ قد تكررها العرب على التغليظ والتخويف، فهذا من ذاك [4] .
ثالثًا: رأي ابن جني:
يتلخص رأي ابن جني فيما يلي:
أ- ترديد الجمل وتكرارها يكسب القول صفة الكلام ويجعله تامًّا.
ب- أن التأكيد اللفظي وإطالة الكلام من طُرق العرب، كما كان الإيجاز لهم طريقًا.
ج- تكرار الكلمة بعينها ثقيل، ويجوز في مواضع العناية والاهتمام، أو عند إرادة تقوية المعنى.
د- زيادة المبنى زيادة في المعنى، وتكرار الكلام مع اختلاف أفانينه من ضروب البلاغة.
ه- تكرار الجمل وإسهاب الكلام مطلوب في مواضعه.
(1) دلائل الإعجاز ص 428.
(2) ينسب هذا البيت إلى أبي الريس، وذكره ابن منظور في لسان العرب في مادة"لوى".
(3) معاني القرآن 1/ 176.
(4) معاني القرآن 3/ 287.