أولًا: ابن قتيبة:
قال ابن قتيبة [1] :"وكانت وفود العرب تَرِد على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام، فيقرئهم المسلمون شيئًا من القرآن، فيكون ذلك كافيًا لهم، وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة ومكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم، وقصة لوط إلى قوم".
ثانيًا: رأي الإمام الفخر الرازي:
قال الإمام الفخر الرازي في"التفسير الكبير" [2] : اعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} [هود: 100] ، والفائدة في ذلك أمور:
أولها: أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض إنما يحصل للإنسان الكامل، فأما إذا ذكرت الدلائل، ثم أكدت بأقاصيص الأولين صار ذكر هذه الأقاصيص كالموصل لتلك الدلائل العقلية إلى العقول.
الوجه الثاني: ذكر هذه القصص سببٌ لإيصال الدلائل والجواب عن الشبهات إلى قلوب المنكرين، وسبب لإزالة القسوة والغلظة من قلوبهم، فثبت أنها أحسن الطرق في الدعوة إلى الله تعالى.
الفائدة الثالثة: أنه - عليه السلام - كان يذكر هذه القصص من غير مطالعة كتب ولا تتلمذ لأحد، وذلك معجزة عظيمة تدل على النبوة.
الفائدة الرابعة: أن الذين يسمعون هذه القصص يتقرر عندهم عاقبة الصديق والزنديق، والموافق والمنافق، فإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع فلا بد وأن يلين القلب وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال [3] .
الخامسة: أن ظهور الفصاحة ومزيتها في القصة الواحدة إذا أعيدت أبلغ منها في القصص المتغايرة.
فهذا هو الفائدة فيما تكرر من كتاب الله في قصة موسى وفرعون وسائر الأنبياء [4] .
(1) تأويل مشكل القرآن ص 234.
(2) التفسير الكبير للرازي 18/ 55.
(3) التفسير الكبير للرازي 18/ 56.
(4) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز للفخر الرازي ص 167.