ذكر الإمام الزركشي عدة فوائد في تكرار القصص في القرآن [1] ، وفي تكرار قصة موسى خاصة، قال: وإنما كررها لفائدة خلت عنه في الموضع الآخر، وهي أمور:
أحدها: أنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئًا، ألا ترى أنه ذكر الحية في عصا موسى عليه السلام، وذكرها في موضع آخر ثعبانًا؟ ففائدته أن ليس كل حية ثعبانًا، وهذه عادة البلغاء.
الثانية: تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم؛ قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] .
الثالثة: أن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة.
الرابعة: أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام؛ فلهذا كررت القصص دون الأحكام.
الخامسة: أن الله تعالى أنزل هذا القرآن، وعجز القوم عن الإتيان بمثل آية لصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بيَّن وأوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع؛ إعلامًا بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأي نظم جاؤوا، وبأي عبارة عبَّروا.
السادسة: أنه لما سخِر العرب من القرآن قال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] ، وقال في موضع آخر: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ} [هود: 13] ، فلو ذكر قصة آدم - مثلًا - في موضع واحد واكتفى بها، لقال العربي بما قال الله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] "إيتونا أنتم بسورة من مثله"، فأنزلها سبحانه في تعداد السور دفعًا لحجتهم من كل وجه.
السابعة: أن القصة الواحدة من هذه القصص كقصة موسى مع فرعون، وإن ظن أنها لا تغاير الأخرى، فقد وجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وتلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ.
رابعًا: رأي جلال الدين السيوطي:
ذكر السيوطي [2] جملة فوائد في تكرير القصص، ونقل آراء كثير من العلماء في هذا الشأن، لكنني سأنقل رأيه في الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقًا واحدًا في موضع واحد دون غيرها من القصص، وبضدها تتبين الأشياء:
(1) البرهان في علوم القرآن 3/ 25، 26.
(2) معترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي، ت: علي البجاوي، دار الفكر، 1/ 348، 349.