الصفحة 7 من 24

لقوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ .... } [الزمر: 23] .

وعلى هؤلاء نورد تساؤلًا: التشابه يقتضي الاختلاف، فمن أطلق على الآيات التي وردت في سورة الرحمن - على سبيل المثال - متشابهات، فما الاختلاف الذي بينها؟! فأي تشابه لا بد أن يقتضي بعض الجوانب التي يكون فيها اختلاف، فما هي جوانب الاختلاف؟

ومنهم من قال: إن التكرار فن من فنون البلاغة، وليس عيبًا، وهؤلاء القائلون بهذا لم يريدوا تغيير المصطلح، فنفوا الإشكالية التي ترد عليهم، وقسموا التكرار إلى قسمين: قسم حسن، وقسم قبيح، وجعلوا التكرار الذي في القرآن من القسم الحسن.

وفي رأيي أن القسمين فيهما إشكالية؛ ولذلك حصل هذا الاختلاف في نفي الظاهرة وإثباتها في القرآن، فلو أطلقنا على هذه الظاهرة التعدد لخرجنا من إشكالية المصطلح، وأطلقنا التكرار على ما يتضمن عيبًا في الكلام، لكان هذا أسلم للمصطلح، وأدق له، وأبعد عنهم الخلاف في التسمية.

خامسًا: الفرق بين مصطلح الإعادة والتكرار:

أن التكرار يقع على إعادة الشيء مرة، وعلى إعادته مرات، والإعادة للمرة الواحدة، ألا ترى أن قول القائل: أعاد فلان كذا لا يفيد إلا إعادته مرة واحدة؟ وإذا قال: كرر هذا، كان كلامه مبهمًا، لم يدرَ أعاده مرتين أو مرات؟ وأيضًا فإنه يقال: أعاده مرات، ولا يقال: كرره مرات، إلا أن يقول ذلك عامي لا يعرف الكلام؛ ولهذا قالت الفقهاء: الأمر لا يقتضي التكرار، والنهي يقتضي التكرار، ولم يقولوا: الإعادة، واستدلوا على ذلك بأن النهي: الكف عن المنهي، ولا شيء في الكف عنه ولا حرج، فاقتضى الدوام والتكرار، ولو اقتضى الأمر التكرار لَلَحِق المأمور به الضيق والتشاغل به عن أموره، فاقتضى فعله مرة، ولو كان ظاهر الأمر يقتضي التكرار، ما قال سراقة للنبي صلى الله عليه وسلم: ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لو قلت: نعم، لوجبت ) )، فأخبر أن الظاهر لا يوجبه، وأنه يصير واجبًا بقوله، والمنهي عن الشيء إذا عاد إلى فعله لم يقل: إنه قد انتهى عنه، وإذا أُمر بالشيء ففعله مرة واحدة لم يقل: إنه لم يفعله، فالفرق بين الأمر والنهي في ذلك ظاهر ومعلوم [1] .

(1) الفروق اللغوية، المؤلف: أبو هلال الحسن بن عبدالله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395 هـ) ، حققه وعلق عليه: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة - مصر، ج 1، ص 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت