وسنضرب فيه أمثالًا من القرآن الكريم؛ لنبين سر هذا التكرار البليغ في كتاب الله تبارك وتعالى.
المثال الأول:
وإنما كرر في القرآن، فقال عز وجل: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] ؛ لتفضيل النخل والرمان على سائر الفواكه، وذلك [أسلوب] اللغة العربية؛ كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: 7] ، وكرر هؤلاء للتفضيل على النبيين، ولم يخرجوا منهم [1] .
المثال الثاني:
قوله: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف: 71] ، وبعده: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف: 74] ؛ لأن الإِمرَ العجب والمعجب، والعجب يستعمل في الخير والشر، بخلاف النُّكر؛ لأن ما ينكره العقل فهو شر، وخرق السفينة لم يكن معه غرق، فكان أسهل من قتل الغلام وإهلاكه، فصار لكل واحد معنًى يخصه.
المثال الثالث:
{أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ} [الكهف: 72] ، وبعده: {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ} [الكهف: 75] ؛ لأن الإنكار في الثانية أكثر، وقيل: أكد التقدير الثاني بقوله: {لَكَ} ، كما تقول لمن توبخه: لك أقول، وإياك أعني، وقيل: بين في الثاني المقول له لما لم يبين في الأول.
المثال الرابع:
-قوله في الأول: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] ، وفي الثاني: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا} [الكهف: 81] ، وفي الثالث: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الكهف: 82] ؛ لأن الأول في الظاهر إفساد، فأسنده إلى نفسه، والثالث إنعام محض، فأسنده إلى الله عز وجل، والثاني إفساد من حيث القتل إنعام من حيث التأويل، فأسنده إلى نفسه وإلى الله عز وجل.
المثال الخامس:
قوله: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 97] ، اختار التَّخفيف في
(1) كتاب العين، المؤلف: أبو عبدالرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: 170 هـ) ، المحقق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال ج 3، ص 381.