مهما تَقوَّلَ البعض فلا يستطيع أحد إنكار ما لهذا الأسلوب البلاغي من أهمية بالغة، يدركها من تذوق الكلام، وعرَف مداخله ومخارجه، ويُحرم منها من فسد ذوقه، وشيوعُه في الكلام العربي قديمًا وحديثًا خيرُ شاهد ودليل على أنه ظاهرة معروفة، وإنما يكمن جمالها في حسن توظيفها.
وعليه: فالحكم على التكرار"جزافًا"أمر لا تقره قواعد العلم السليم، ولكن يمكننا أن نقول في الحكم عليه:"إنه أمر نسبي؛ بمعنى أنه تارة يحسن ويجمل، وذلك إذا فطن المتكلم لمواطن استخدامه، وقد يقبح إذا أساء المتكلم استخدامه، كأن يستخدمه في غير موضعه."
ولذا نجد العديد من الشعراء قد استخدم التكرار فأجاد، بينما استخدمه البعض فأخفق؛ فالأمر يعود إلى المستخدِم ذاته، هل استطاع أن يوظف هذا التكرار توظيفًا بلاغيًّا مفيدًا، أم أنه عجز أمامه، وألقى بالتكرار عشواء في ثنايا كلامه، فصار مستهجنًا؟
وإذا استعرضنا كلام الشعراء والأدباء وجدنا به ضروبًا من هذا الفن الذي عانق السماء في مواضع، ولم يجاوز الحضيض في أخرى، وسنعرض ذلك في الأبواب اللاحقة إن شاء الله.
سابعًا: التكرار والقرآن:
وها هنا معنى دقيق في التحدي، ما نظن العرب إلا قد بلغوا منه عجبًا، وهو التكرار الذي يجيء في بعض آيات القرآن، فتختلف في طرق الأداء، وأصل المعنى واحد في العبارات المختلفة؛ كالذي يكون في بعض قَصَصه لتوكيد الزجر والوعيد، وبسط الموعظة، وتثبيت الحجة ونحوها، أو في بعض عباراته لتحقيق النعمة، وترديد المنة، والتذكير بالنعم، واقتضاء شكرها، إلى ما يكون من هذا الباب، وهو مذهب للعرب معروف، ولكنهم لا يذهبون إليه إلا في ضروب من خطابهم؛ للتهويل والتوكيد والتخويف والتفجع، وما يجري مجراها من الأمور العظيمة، وكل ذلك مأثورٌ عنهم، منصوص عليه في كثير من كتب الأدب والبلاغة.
بيدَ أن وروده في القرآن مما حقق للعرب عجزهم بالفطرة عن معارضته، وأنهم يُخلُّون عنه لقوة غريبة فيه لم يكونوا يعرفونها إلا توهمًا، ولضعف غريب في أنفسهم لم يعرفوه إلا بهذه القوة؛ لأن المعنى الواحد يتردد في أسلوبه بصورتين أو صورٍ، كل منها غير الأخرى؛ وجهًا أو عبارة، وهم على ذلك عاجزون عن الصورة الواحدة، ومستمرون على العجز لا يطيقون ولا ينطقون.
فهذا لعمرك أبلغ في الإعجاز، وأشدُّ عليهم في التحدي؛ إذ هو دليل على مجاوزتهم مقدارَ العجز