الصفحة 49 من 106

من صور الاستهزاء والسخرية بحق الله تعالى ما ظهر على يد قوم نوح عليه السلام من الشرك بعبادة الأصنام، لقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} (الصافات: الآية 35 - 36) ، فهذا استهزاء مركب، استهزاء بالله وبالرسول، وبالدين.

قال ابن تيمية تعقيبًا على هذه الآية: إن الاستهزاء بهذه الأمور متلازم، فإن من استهزأ بآيات الله التي جاء بها رسوله، هو مستهزئ بالرسول ضرورة، ومن استهزأ بالرسول فهو مستهزئ برسالته حقيقة، ومن استهزأ بآيات الله ورسوله هو مستهزئ بالله، ومن استهزأ بالله فإنه مستهزئ بآياته ورسوله بطريق أولى [1] .

وهذا الاستهزاء والتنقيص لم يكن من قوم نوح وحدهم، بل شاركهم فيه من جاء بعدهم من قوم عاد وثمود، وأهل مدين، وفرعون وبني إسرائيل على مدار تاريخهم.

فما فعله اليهود من عبادة العجل، وموسى عليه السلام حي بينهم، وما قالوه عن الله كما حكى القرآن الكريم عنهم، أمور لا تدل على إيمان أو عقل، {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (آل عمران: الآية 181) .

ومن صور الاستهزاء والسخرية والتطاول على الذات الإلهية ما ذكره الله على ألسنتهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} (المائدة: الآية 64) .

وجه الاستدلال:

(1) أنظر؛ تلخيص الاستغاثة: ابن تيمية، 346.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت