قال الطبري: وهذا الخبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك وتعريفًا منه نبيه قديم جهلهم، واغترارهم به، وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم، وعفوه عن عظيم إجرامهم [1] .
ومن صور الاستهزاء والسخرية بالله تعالى ما فعله النصارى من تنقص لله , تعالى عما يقولون علوًا عظيمًا.
يقول ابن القيم: تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم، حيث زعموا أنه نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة، وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم و النجو ى، ثم خرج من حيث دخل رضيعًا صغيرًا يمص الثدي، يبكي ويجوع ويعطش ويبول و يتغوط، ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديّه، وربطوا يديه وبصقوا في وجهه، وصفعوا قفاه، وصلبوه جهرًا بين لصين، وألبسوه إكليلًا من الشوك، وسمّروا يديه ورجليه وجرعوه أعظم الآلام [2] .
ومن صور استهزائهم , و سخريتهم أنه إذا حلف أحدهم صادقًا حلف على الصليب، وإذا حلف كاذبًا حلف بالله تعالى.
وهذا المجال فيه كثير من صور الاستهزاء، وصغر الدراسة لا يسمح بذكرها كلها.
المطلب الثاني
صور من الاستهزاء بالرسل عليهم السلام
ليس صعبًا على المستهزئ بالله أن يستهزئ برسله عليهم السلام، فالاستهزاء بالرسل تابع للاستهزاء بالله، لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام: الآية 112) .
ماذا كان يوحي هؤلاء الشياطين بعضهم لبعض، إنه الاستهزاء والسخرية من الأنبياء وأتباعهم.
قال تعالى على لسان قوم نوح لنبيهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الأعراف: الآية 60) .
(1) أنظر؛ جامع البيان: الطبري، 10/ 450.
(2) أنظر؛ إغاثة اللهفان: ابن القيّم، 2/ 282.