الصفحة 51 من 106

وقال تعالى على لسان قوم هود: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} (الأعراف: الآية 66) .

وقال تعالى على أحوال الأقوام السابقين: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} (الذاريات: الآية 52 - 53) .

قال ابن تيمية: لقد كان الاستهزاء والسخرية بالرسل سُنة، وطريقة للمجرمين والمستكبرين [1] .

ومن صور الاستهزاء والسخرية بالرسل ما حكاه القرآن الكريم عن قوم نوح: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} (هود: الآية 38) .

يقول قطب: والتعبير بالمضارع فعل الحاضر هو الذي يعطي المشهد حيويته، وجدته، فنحن نراه ماثلًا لخيالينا من وراء هذا التعبير، يصنع الفلك ونرى الجماعات من قومه والمتكبرين يمرون به فيسخرون، يسخرون من الرجل الذي كان يقول لهم إنه رسول ويدعوهم، ويجادلهم فيطيل جدالهم ثم إذا هو ينقلب نجارًا يصنع مركبًا، إنهم يسخرون لأنهم لا يرون إلا ظاهر الأمر، ولا يعلمون ما وراءه من وحي ,وأمر شأنهم دائمًا في إدراك الظواهر، والعجز عن إدراك ما وراءها من حكمة وتقدير.

أما نوح فهو واثق عارف، وهو يخبرهم في اعتزاز وثقة وطمأنينة واستعلاء أنه يبادلهم سخرية بسخرية، نسخر منكم لأنكم لا تدرون ما وراء هذا العمل من تدبير الله وما ينتظركم من مصير [2] .

يقول الشيخ بن عاشور: أما سخرية نوح والمؤمنين من الكافرين فمن سفه عقولهم، وجهلهم بالله وصفاته وقدرته على تعذيب المعاندين لرسوله [3] .

(1) أنظر؛ الجواب الصحيح: ابن تيمية 1/ 161.

(2) في ظلال القرآن: قطب، 4/ 1877.

(3) تفسير التحرير والتنوير: الطاهر بن عاشور، 12/ 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت