ومن صور استهزائهم به وصفهم للنبي عليه السلام بالصنبور المنبثر، أي أنه أبتر لا عقب له، فما أن يُقتل أو يموت إلا وقد زال أثره وانقطع خبره، فلا ناصر له، ولا طالب بأثره.
ومن تلك الصور ما لقيه من أهل الطائف حينما ذهب إليهم يلتمس منهم النصرة، والتأييد، فما كان جوابهم إلا الاستهزاء والسخرية منه، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه، ويرمونه بالحجارة، تحقيرًا له وازدراءً به صلى الله عليه وسلم.
يقول السيوطي: لقد واجه الرسول عليه السلام من قريش والعرب الذين كانوا يدورون معها, صورًا متعددة ومتكررة من الاستهزاء والسخرية، وهذه كانت بعض ملامح الفترة الملكية فترة الاستضعاف.
ولم يكن أهل الشرك وحدهم في هذه الفترة، بل كان معهم يعاونهم اليهود في تدبير بعض المكائد و الدسائس، هذا ما أخبرتنا به كتب السيرة النبوية [1] .
الفرع الثاني
صور من استهزاء اليهود والنصارى بالرسول عليه السلام
انتهت الفترة المكية، وانتقل النبي إلى المدينة المنورة مهاجرًا، وإذا بالحال يستمر على ما كان عليه من الاستهزاء والسخرية، ولكن اختلفت الجهة، فاليوم يقوم بهذا الدور المنافقون واليهود.
ولصور الاستهزاء من قبل اليهود أشكال متعددة، منها:
1.ما ذكره القرآن الكريم: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (المجادلة: الآية 8) .
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن اليهود إذا سلّم عليكم أحدهم فإنما يقول: السّام عليكم، فقولوا وعليكم" [2] .
(1) أنظر؛ الدر المنثور: السيوطي، 2/ 306، والصارم المسلول: ابن تيمية، 80.
(2) أخرجه أبو داود في سننه: رقم (5206) ، كتاب الأدب، باب (في السلام على أهل الذمة) ، 4/ 354.