فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 103895 من 466147

[من روائع الأبحاث]

(فصل: من اللطائف الفقهية)

قال الزركشي:

(وَأَمَّا) التَّوْبَةُ مِنْ الصَّغَائِرِ فَوَاجِبَةٌ عِنْدَ (الْأَشْعَرِيِّ) ، وَخَالَفَ فِيهِ (أَبُو هَاشِمٍ بْنُ الْجُبَّائِيِّ) وَادَّعَى بَعْضُ أَئِمَّتِنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَنَسَبَ أَبَا هَاشِمٍ

إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا تَابَ مِنْ الْكَبَائِرِ انْدَرَجَتْ الصَّغَائِرُ فِي ضِمْنِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْمَعَ فِي ذَلِكَ، وَيُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي التَّوْبَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الصَّغَائِرِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، أَمَّا التَّوْبَةُ عَنْهَا عَيْنًا أَوْ فِعْلَ مَا يُكَفِّرُهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ.

(وَقَالَ) الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ تَكْفِيرَ

الصَّغَائِرِ بِالْعِبَادَاتِ، هَلْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: (نَعَمْ) وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ» وَظَاهِرُهُ الشَّرْطِيَّةُ، فَإِذَا اُجْتُنِبَتْ، كَانَتْ مُكَفِّرَاتٍ لَهَا، وَإِلَّا فَلَا.

وَذَكَرَ (ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ) ، أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُشْتَرَطُ وَالشَّرْطُ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّقْدِيرُ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إلَّا الْكَبَائِرَ قَالَ وَهَذَا أَظْهَرُ لِمُطْلَقِ (حَدِيثِ خُرُوجِ الْخَطَايَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَعَ قَطْرِ الْمَاءِ) وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ التَّكْفِيرَ، هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّوْبَةُ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ فَمَنْ جَعَلَ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ شَرْطًا فِي تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ، لَمْ يَشْتَرِطْ التَّوْبَةَ، وَجَعَلَ هَذِهِ خُصُوصِيَّةً لِمُجْتَنِبِ الْكَبَائِرِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اشْتَرَطَ التَّوْبَةَ وَعَدَمَ الْإِصْرَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ (حَدِيثُ الَّذِي قَبَّلَ الْمَرْأَةَ ثُمَّ نَدِمَ فَأَخْبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ كَفَّرَتْ عَنْهُ) ، وَكَانَ النَّدَمُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ. وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ، لَكِنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّكْفِيرَ، كَانَ بِنَفْسِ

الصَّلَاةِ، فَإِنَّ التَّوْبَةَ بِمُجَرَّدِهَا تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، فَلَوْ اشْتَرَطْنَاهَا مَعَ الْعِبَادَاتِ، لَمْ تَكُنْ الْعِبَادَاتُ مُكَفِّرَةً، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا مُكَفِّرَاتٌ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ التَّوْبَةِ مَعَهَا.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ، هَلْ هُوَ قَيْدٌ فِي التَّكْفِيرِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ، لَمْ يُغْفَرْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الصَّغَائِرِ (أَوْ هُوَ قَيْدُ التَّعْمِيمِ، أَيْ تَعْمِيمِ الْمَغْفِرَةِ) ، فَعَلَى هَذَا تُغْفَرُ الصَّغَائِرُ، وَإِنْ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِي التَّكْفِيرِ، لِأَنَّ الصَّغَائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31] .

قَالَ صَاحِبُ (الْإِحْيَاءِ) ، (وَاجْتِنَابُ) الْكَبِيرَةِ، إنَّمَا يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ إذَا اجْتَنَبَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، كَمَنْ (تَمَكَّنَ) (مِنْ امْرَأَةٍ وَيَقْدِرُ عَلَى جِمَاعِهَا فَيَقْتَصِرُ عَلَى النَّظَرِ وَاللَّمْسِ، فَإِنَّ مُجَاهَدَةَ نَفْسِهِ) فِي الْكَفِّ عَنْ الْوِقَاعِ أَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي تَنْوِيرِ قَلْبِهِ مِنْ إقْدَامِهِ عَلَى النَّظَرِ فِي إطْلَاقِهِ، فَإِنْ كَانَ عِنِّينًا لَمْ يَكُنْ امْتِنَاعُهُ، إلَّا بِالضَّرُورَةِ لِلْعَجْزِ أَوْ كَانَ قَادِرًا، لَكِنْ امْتَنَعَ لِخَوْفٍ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ (فَهَذَا) لَا يَصْلُحُ لِلتَّكْفِيرِ أَصْلًا، قَالَ وَكُلُّ مَنْ لَا يَشْتَهِي الْخَمْرَ بِطَبْعِهِ، وَلَوْ (أُتِيحَ) لَهُ لَمَا شَرِبَهُ، فَاجْتِنَابُهُ لَا يُكَفِّرُ عَنْهُ الصَّغَائِرَ الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَاتُهُ كَسَمَاعِ الْمَلَاهِي. انتهى انتهى {المنثور في القواعد الفقهية، للزركشي} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت