فهرس الكتاب
قلت: بل زكت ثمارها، ورخصت أسعارها، وأشرقت أنوارها، ولاحت أسرارها، وقد دعا صلى الله عليه وسلم للمدنية بمثل ما دعا إبراهيمُ لمكة، وأضعاف ذلك، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسًا ومعنى إلى يوم القيامة، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم؛ فقد قالوا لسيدنا صالح عليه السلام: {قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} [النَّمل: 47] ، وقال تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيَّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} [الأعراف: 131] ، {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قّدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} [فُصّلَت: 43] . قال تعالى مكذبًا لهم: {قل كلٌّ من عند الله} . انتهى انتهى. {البحر المديد حـ 1 صـ 532}
فصل
قال الفخر:
اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] وقال: {إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات} [هود: 114] .
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} يفيد العموم في كل الحسنات، وكذلك قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} يفيد العموم في كل السيئات، ثم قال بعد ذلك: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله} فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله، ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله، وهو المطلوب.
فإن قيل: المراد ههنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية، ويدل عليه وجوه: الأول: اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما.