فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط ، وأوجبه من الملامسة ، وإنما ذكرها موصولة بالغائط ، بعد ذكر الجنابة ، فأشبهت الملامسة ، أن تكون: اللمس باليد ، والقُبْلة غير الجنابة.
أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد اللَّه ، عن أبيه قال:
"قبلة الرجل امرأته ، وجسُّها بيده من الملامسة ، فمن قبَّلَ امرأته أو جسَّها بيده فعليه الوضوء"الحديث .
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وبلغنا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ، قريب من قول ابن عمر - رضي الله عنه - وإذا أفضى الرجل بيده إلى امرأته ، أو ببعض جسده إلى بعض جسدها ، لا حائل بينه وبينها بشهوة ، أو بغير شهوة ، وجب عليه الوضوء ، ووجب عليها ، وكذلك إن لمسته هي وجب عليه ، وعليها الوضوء ، وسواء في ذلك كله ، أيّ بدنيهما أفضى إلى الآخر ، إذا أفضى إلى بشرتها ، أو أفضت إلى بشرته بشيء من بشرتها ، فإن أفضى بيده إلى شعرها ، ولم يماسّ لها بشراً فلا وضوء عليه ، كان ذلك لشهوة ، أو لغير شهوة ، كما يشتهيها ولا يمسها ، فلا يجب عليه الوضوء ، ولا معنى للشهوة ؛ لأنَّها في القلب ، إنَّما المعنى في الفعل ، والشعر مخالف للبشرة.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: ولو احتاط فتوضأ إذا لمس شعرها ، كان أحبَّ إليَّ.
ولو مسَّ بيده ما شاء فوجد بدنها ، من ثوب رقيق خام ، أو بتٍّ (1) ، أو غيره.
أو صفيق ، متلذذاً ، أو غير متلذذ ، وفعلت هي ذلك ، لم يجب على واحد منهما وضوء ؛ لأنَّ كلاهما لم يلمس صاحبه ، إنَّما لمس ثوب صاحبه.
قال الربيع:
سمعت الشَّافِعِي رحمه الله يقول: اللمس بالكفِّ ، ألا ترى أنَّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الملامسة ؟
قال الشاعر:
وألمست كفي كله أطلب الغِني ... ولم أدر أن الجود من كفِّه يُعدِي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغِني ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي
(1) البَتُّ: الطيلسان من خّز ونحوه ، انظر القاموس المحيط ، ص/ 188 ،