(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ناسخ لقوله - عز وجل -: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية.
فقلت له: الناسخ إنما يؤخذ بخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أو عن بعض أصحابه لا مخالف له ، أو أمر أجمعت عليه عوام الفقهاء فهل
معك من هذا واحد ؟
قال: لا . قال: فهل معك ما يبين أنَّ الخيار غير منسوخ ؟
قلت: قد يحتمل قول اللَّه - عز وجل: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)
إن حكمت ، وقد روى بعض أصحابك عن سفيان الثوري ، عن سماك بن
حرب ، عن قابوس بن مُخارق ، أن محمد بن أبي بكر كتب إليه علي بن أبي
طالب - رضي الله عنه - في مسلم زنى بذمية ، أن يحدَّ السلم ، وتدفع الذمية إلى أهل دينها.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فإذا كان هذا ثابتاً عندك ، فهو يدلك على أن الإمام
مخير في أن يحكم بينهم ، أويترك الحكم عليهم.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: قال منهم قائل: وكيف لا تحكم بينهم إذا
جاؤوك مجتمعين أو متفرقين ؟
قلت: أما متفرقين فإن اللَّه - عز وجل - يقول:
(فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية.
فدلَّ قولُ اللَّه تبارك وتعالى: (فَإِنْ جَاءُوكَ) على أنهم مجتمعون ، ليس إن جاءك بعضهم دون بعض ، ودلَّ على أن له الخيار إذا جاؤوه في الحكم أو الإعراض عنهم ، وعلى أنه إن حكم ، فإنما يحكم بينهم حكمه بين المسلمين.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: ولم أسمع أحداً من أهل العلم ببلدنا ، يخالف في أن
اليهوديينِ اللذين رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزنا ، كانا موادَعين لا ذميين.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وقال لي بعض من يقول القول الذي أحكي خلافه.
أنه ليس للإمام أن يحكم على موادعين ، وإن رضيا حُكمَه ، وهذا خلاف السنة.
ونحن نقول إذا رضيا حكم الإمام ، فاختار الإمام الحكم ، حكم عليهما.