* ثم اختلفوا في هذهِ المشروعية، هل هي على الوجوب، أو على الندب؟
فذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ إلى أنه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ للجماعة والمُنْفَرِدِ، وهو في حَقِّ الجَماعةِ آكَدُ؛ لأنه لم يكنْ في صدرِ الإسلامِ، وإنما شَرَعَهُ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لجمعِ الناسِ للصَّلاةِ، وإعلامِهم بها.
وذهبُ مالِكٌ وبعضُ الشافعيةِ إلى أنه فرضُ عَيْنٍ في مَساجدِ الجَماعاتِ، ولم يَرَهُ على المنفردِ فَرْضاً ولا سُنَّةً.
وذهبَ بعضُ أهلِ الظاهرِ إلى أنه واجبٌ على الأعيانِ.
وقال بعضُهم: بل على الجَماعة.
وقال بعضُهم: في السَّفَرِ خاصَّةً، واستدلُّوا بفعل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأمرِه ودوامِه عليه.
* إذا تقررَ هذا، فقد فَهِمْنا من الآية أن النِّداءَ للصَّلاة لا يكونُ إلا بعدَ دخُولِ وَقْتِها؛ لأنه لا يُنادى لفعلِ شَيْءٍ قبلَ جَوازِ فِعْلِه، وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ في جميعِ الصَّلَواتِ، إلا صلاةَ الصُّبْحِ.
فذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ إلى جَوازه قبلَ الفَجْرِ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إن بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلوا واشربوا حتى تَسْمعوا أَذانَ ابنِ أُمِّ مَكْتومٍ".
قال الشافعيُّ في كتابِه القديمِ: أخبرنا بعضُ أصحابِنا عن الأعرج عن إبِراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عمارةَ عن أبيهِ عن جَدِّهِ عنْ سعد القُرظيّ قال: أَذَّنَّا في زمانِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وفي زَمَنِ عُمَرَ بالمدينة، فكان أذانُنا للصبحِ لوقتٍ واحدٍ في الشتاءِ لِسُبُعٍ ونصْفٍ يَبْقى، وفي الصَّيْفِ لِسُبُعٍ يبقى.
قال: وأخبرَنا ابنُ أبي الحباب الخزاعيُّ، وكانَ قد زادَ على الثمانين،
أو راهَقَها، قال: أدركْتُ منذُ كنتُ آلَ أبي مَحْذوَرَة يُؤَذِّنونَ قَبْلَ الفَجْرِ بِلَيْلٍ، وسمعتُ منهم مَنْ يحكي ذلك عن آبائه.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يؤذَنُ لها إلا بعدَ الفَجْرِ؛ كسائرِ الصَّلَوات.
واستدلَّ بما رُوي أنَّ بلالاً أذَّنَ قبلَ الفَجْرِ، فأمره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع ينادي: ألا إنَّ العبدَ قَدْ نام.
وأجاب الشافعيُّ فقال: قد سمعتَ تلكَ الرِّوايةَ، فرأينا أهلَ الحَديثِ منْ أَهْلِ ناحِيَتِكَ لا يُثْبِتونَها، يزعُمون أنها ضعيفةٌ، ولا تقومُ بمثلِها حُجَّةٌ على الانفِراد.