ونلحظ أن سورة البقرة جاءت بعدها سورة آل عمران ، وفي كلتيهما حديث عن الماديين من اليهود ، وسورة النساء والمائدة تواجه أيضاً المجتمع المدني بالمدينة بعد أن كان القرآن بمكة يواجه مسألة تربية وغرس العقيدة الإلهية الواحدة والنبوات . وقد خدمت سورة البقرة وسورة آل عمران مسألة العقيدة المنهجية والأنبياء ، وسورة النساء تتضمن حسم العقيدة الحكمية .
وها نحن أولاء أمام سورة المائدة التي يقول فيها الحق: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود} والحق يخاطب المؤمنين بالاسم الموصول ، ولم يقل: يا أيها المؤمنون"، وهذا يدل على أن الإيمان ليس أمراً عابراً يمر بالإنسان فترة من الزمن ؛ ولكن الإيمان يتجدد بتجدد الفعل حتى ينفذ المؤمن الأحكام التي جاء بها العقد الإيماني . وحين يتوجه الحق بخطابه للذين آمنوا ، إنما يؤكد لنا أنه لا يقتحم على أحد حياته ليكلفه ، وإن كان سبحانه كرب للعالمين قد خلق الخلق وأوجد الوجود وسخّره للخلق ."
الله - سبحانه وتعالى - لم يستخدم هذا الحق ليأمر البشر بالإيمان ، بل دعا الناس جميعاً أولاً إلى الإيمان ، فمن آمن ينزل إليه التشريف بالتكليف ويكون القول الحق: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ} أي يا من آمنتم بالله إلهاً . والإله لابد له من صفات تناسب الألوهية ، كطلاقة القدرة والجاه والحكمة والقهر . وسبحانه لا يكلف مَن لم يؤمن به ، بل يدعو من لم يؤمن إلى الإيمان ، ولذلك نجد أن كل آيات الأحكام تبدأ بالقول الحق: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ} ؛ لأن لكل إيمان تبعة .
{يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود} ونعرف أن اللغة بها أسرة ألفاظ ؛ ف"أوفوا"على سبيل المثال فيها"وفى". والمصارع هو"يفي"، وفي أفعالها"أوفى"و"وَفَّى"، حسب المراحل المختلفة قوة وضعفاً وكثرة وقلة ، مثال ذلك قوله الحق: {وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى} [النجم: 37]