اعْلَمْ أَنَّهُ أَقَرَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْوَزَّانِيُّ وَصَاحِبُ الْمِعْيَارِ وَأَحْمَدُ بَابَا وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَالِكِيَّةِ كَالزَّيَّاتِيِّ ، وَقَالَ: وَكَفَى بِهِ حُجَّةً ، وَإِنْ رَدَّهُ الرُّهُونِيُّ بِالْأَقْيِسَةِ ، وَمَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنَ التَّنَاقُضِ بَيْنَ كَلَامَيِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ:"مَا أَكَلُوهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الذَّكَاةِ كَالْخَنْقِ وَحَطْمِ الرَّأْسِ: مَيْتَةٌ حَرَامٌ ، وَقَوْلِهِ: أَفْتَيْتُ بِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَفْتِلُ عُنُقَ الدَّجَاجَةِ ثُمَّ يَطْبُخُهَا: تُؤْكَلُ لِأَنَّهَا طَعَامُهُ وَطَعَامُ أَحْبَارِهِ وَرُهْبَانِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَكَاةً عِنْدَنَا ; لِأَنَّ اللهَ أَبَاحَ طَعَامَهُمْ مُطْلَقًا ، وَكُلُّ مَا يَرَوْنَهُ فِي دِينِهِمْ فَهُوَ حَلَالٌ لَنَا ، إِلَّا مَا كَذَّبَهُمُ اللهُ فِيهِ ، دَفَعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَرَوْنَهُ مُذَكًّى عِنْدَهُمْ حِلٌّ لَنَا أَكْلُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَكَاتُهُ ، عِنْدَنَا ذَكَاةً ، وَمَا لَا يَرَوْنَهُ مُذَكًّى لَا يَحِلُّ ، وَيُرْجَعُ إِلَى قَصْدِ تَذْكِيَتِهِ لِتَحْلِيلِهِ وَعَدَمِهِ ، كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنَ التَّتَائِيِّ عَلَى الْمُخْتَصَرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ:"أَوْ مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ ... إِلَخْ"وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْ عِبَارَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُحَقِّقِينَ ، أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَذْهَبٌ لَهُ وَحْدَهُ ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ وَافَقَهُ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَبْنَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ جَمِيعًا ، الْعَمَلُ"