فإن كانت الآية مجملة في الرجلين باعتبار احتمالها للغسل والمسح فالواجب الغسل بما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - من البيان المستمر جميع عمره.
وإن كان ذلك لا يوجب الإجماع فقد ورد في السنة الأمر بالغسل وروداً ظاهراً وثبت بالأحاديث الصحيحة من فعله - صلى الله عليه وسلم - وقوله غسل الرجلين فقط وثبت عنه أنه قال:"ويل للأعقاب من النار وويل للعراقيب من النار"أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وأحمد وابن ماجه من حديث عائشة، وابن ماجه أيضاً من حديث جابر، والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر، وأحمد والبخاري ومسلم أيضاً من حديث أبي هريرة.
فأفاد وجوب غسل الرجلين وأنه لا يجزئ مسحهما لأن شأن المسح أن يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطا ولا سيما المواضع الخفية كالأعقاب والعراقيب، فلو كان مجزئاً لما قال ويل للأعقاب من النار، ولما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
وقد ثبت عنه أنه قال بعد أن توضأ وغسل رجليه:"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"أخرجه الطبراني من حديث معاوية بن قرة عن أبيه عن جده، والدارقطني من حديث ابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت وابن ماجه من حديث ابن عمرو وأُبَيّ بن كعب، وابن السكن من حديث أنس، وابن أبي حاتم من حديث عائشة، وفي جميع الطرق المذكورة مقال، لكنها يقوي بعضها بعضاً.
وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن رجلاً توضأ فترك على قدمه مثل موضع الظفر فأبصره النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: ارجع فأحسن وضوءك فخرج وتوضأ ثم صلى .
ومن ذلك أيضاً أحاديث الأعرابي الذي أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الوضوء لما رأى عقبه جافاً يلوح، ومنها الأمر بتخليل الأصابع فإنه يستلزم الأمر بالغسل لأن المسح لا تخليل فيه.