الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل فينصرف المطلق إليه، ومن لم يجد ماء كافيًا لطهارته، كان كمن لم يجد الماء أصلاً، فيكون حكمه الشرعي الانتقال إلى التيمم.
المناقشة:
نوقش بأنه لم يأت في أول الآية للماء ذكر حتى نحمل آخر الآية عليه، ثم لو كان ذلك صحيحًا لعرفه بالألف واللام، فقال: فلم تجدوا الماء؛ لأن إعادة المذكور يكون معرفًا كما هو عادة العرب.
الجواب:
أجيب عنه بجوابين:
1 -أن الماء في مضمون الغسل ليس بملفوظ به، فلم يصح تعريف ما لم يتقدم له لفظ، ولم يجز الكناية عما لم يذكره في الابتداء.
2 -أن الله تعالى لو ذكر في أول الآية ماء منكرًا، ثم قال: فلم تجدوا ماء لم يجب عليه أن يُعرّف بالألف واللام؛ لأنه لو عرفه لصار الأمر مقصورًا على ماء بعينه من بين سائر المياه، فأعاده بلفظ منكر؛ ليعلمنا أننا إذا عدمنا ماء من المياه يكفينا
لجميع الأعضاء وجب التيمم، ومثل هذا قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6] ، فأراد باليسر الثاني غير ما أراد باليسر الأول.
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ... » .
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه لا يستعمله ويتيمم، وذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرّف الماء بالألف واللام وذلك لأحد وجهين إما أن تكون لاستغراق الجنس، أو المعهود، فإن كان أراد به استغراق الجنس صار في التقدير كأنه قال: إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد مياه الدنيا، وإن كان أراد به المعهود، فالمراد به ما يقع به كمال الطهارة، فلذا وجب على من وجد من الماء بعض ما يكفيه أن يتيمم بظاهر الخبر.
الوجه الثاني: أن المراد بالماء في الحديث ما يكفي لرفع الحدث بنية استباحة الصلاة ونحوها، أما ما دونه فوجوده وعدمه سيان؛ إذ لا يثبت به استباحة الصلاة فكان كالمعدوم.