وما يشهد به الجزء الثاني من السفر الأول من التوراة ، إذ شرع إبراهيم ،
عليه السلام ختانة المولود في اليوم الثامن من ميلاده.
وهذه - وأمثالها - شرائع ، لأن الشرع لا يخرج عن كونه أمرًا أو نهيًا من الله
لعباده ، سواء نزل على لسان رسولٍ ، أو كُتبَ في أسفار ، أو ألواح أو غير ذلك.
فإذا أقروا بأن قد كان شرعٌ ، قلنا لهم: ما تقولون في التوراة ، هل أتت بزيادة على تلك الشرائع ، أم لا ؟
فإن لم تكن أتت بزيادةٍ ، فقد صارت عبثًا ،
إذ لا زيادة فيها ، على ما تقدم ، ولم تغن شيئًا ، فلا يجوز أن تكون صادرةً عن الله ، تعالى ، فيلزمكم أن التوراة ليست من عند الله ، وذلك كفر على مذهبكم!
وإن كانت التوراة أتت بزيادة ، فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحًا ، أم لا ؟
فإن أنكروا ذلك ، بطل قولهم من وجهين: -
-أحدهما: أن التوراة حرمت الأعمال الصناعية في يوم السبت ، بعد أن
كان ذلك مباحًا ، وهذا بعينه فهو النسخ.
-والثاني: أنه لا معنى للزيادة في الشرع ، إلا تحريم ما تقدمت إباحته ،
وإباحة ما تقدم تحريمه.
-فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظرُ شيئًا ، ثم يبيحه ، لأن ذلك إن جاز مثله ، كان كمن أمر بشئ وضده!
فالجواب: إن من أمر بشىءٍ وضدهِ في زمانين مختلفين ، غير مناقضٍ بين أوامره
، وإنما يكون كذلك لو كان الأمران في وقت واحد.
فإن قالوا: إن التوراة حظرت أمورًا كانت مباحة من قبل ولم تأت بإباحة محظور.
والنسخ المكروه هو إباحة المحظور"لأن من أبيح له شىءً فامتنع عنه وحظره"
على نفسه ، فليس بمخالف ، وإنما المخالفُ من منع عن شىءٍ فأتاه ، لاستباحته المحظور.
فالجواب: من أحلَّ ما حظره الشرع في طبقة المحرم لما أحله الشرعُ ، إذ كل
منهما قد خالف المشروع ولم يقرّ الكلمة على معاهدها.
فإذا جاز أن يأتي في شرع التوراة تحريم ما كان إبراهيم ، عليه السلام