وجاء ربّنا لنا بهذه القصة كي يبين لنا أصل التكاثر بياناً رمزياً . أوضح سبحانه: أن التباعد الزوجي كان موجوداً ، ولكنه التباعد الإضافي ، صحيح سيكون هذا الولد أخا للبنت هذه ، وهذه البنت أخته ؛ لكن حين تكون مولودة مع هذا ، وتأتي بطن ثانٍ فيها ذكر وأنثى ، فسيكون فيها بُعد إضافي ، فتتزوج البنت لهذا البطن بالذكر في البطن الثاني . والذكر للبطن الثاني للبنت في البطن الآخر ، وهذا هو البُعد الإضافي الذي كان مُتاحاً في ذلك الوقت ؛ لأن العالم كان لا يزال في بداية طفولته الواهية .
ونلحظ مثل هذا الأمر في الريف ، حين يقول فلاح آخر:"الذرة بتاعك خايب"، يقول الفلاح الثاني: إني آخذ من الأرض التي أخذت منها الذرة وأعطيها تقاوى منها ، فأنا قد زرعت فداناً من ذرة ، وأحجز كيلتين أو ثلاثا أستخدمها تقاوى لأزرعها ، فتخرج الذرة ضعيفة ، فيقول الفلاح الناضج: يا شيخ هات من ذرة جارك . فيكون ذرة جاري فيه شيء من البُعد . وبعد ذلك تصير النوعية واحدة ، فيقول الفلاح الناضج: هات من بلد أخرى . وبعد ذلك من بلد ثالثة ، ولذلك فالتهجين والتكاثر كيف نشأ؟ من أين نأتي بالتقاوى؟ كلما جئنا بها من الخارج يكون الناتج قوياً .
كذلك التزاوج ليكون في هذه الزوجية مواهب ، ولذلك فطن العربي قديماً لها ، ومن العجيب أن هذا العربي البدوي الذي لم يشتغل بثقافة ولم نعرف له تعليما ولا علماً ، يهتدي إلى مثل هذه الحقيقة اهتداءً يجعلها قضية عامة فطرية .
ويريد أن يمدح رجلاً بالفتوة ، فيقول عنه:
فتى لم تلده بنتُ عمٍ فيضوي ... وقد يضوي سليل الأقارب
كيف اهتدى هذا الشاعر لهذه؟! وبعد ذلك يقول:
تجاوزت بنت العّمِ وهي حبيبة إليّ ... مخافة أن يضوي على سليلها
أي هو يحبها ، لكنه تجتوزها ، حتى لا يضوي سليلها .
ولذلك يقول الشاعر في هذه القضية:
أنصح من كان بعيد الهم ... تزويج أولاد بنات العم