إذن فكل لفظ من الألفاظ المفردة له معنى حين يفرد . فإذا ما جاء الحكم تنشأ عنه النسبة . وإن كانت النسبة واقعة وبعتقدها قائلها ؛ ويستطيع إقامة الدليل عليها فهذه نسبة علم ؛ لأن العلم نسبة مجزوم بها وواقعة ونستطيع إقامة الدليل عليها تماما مثلما نقول: (الأرض كروية) حيث توحي الكلمة أولاً بصورة الأرض وأضفنا إليها نسبة هي"كروية"لأننا نعتقد أنها كروية والواقع يؤكد ذلك ، فإذا ما جئنا بالدليل عليها فهذه نسبة علم . إذن فالعلم نسبة مُعتقَدة وواقعة وعليها دليل .
أما إذا كانت النسبة واقعة ومعتقدة ولا نستطيع التدليل عليها فذلك هو التقليد مثلما يكرر الطفل عن والده بعضاً من الحقائق ولكنه لا يستطيع إقامة الدليل عليها ، إنه يقلد من يثق به ، إذن فالمرحلة الأقل من العلم هي التقليد . أما إذا كان الإنسان يعتقد أن النسبة قد حدثت ولكن الواقع غير ذلك ، فهذا هو الجهل ، فالجهل ليس معناه أنك لا تعرف ، ولكن أن تعرف قضية مناقضة للواقع .
والجاهل يختلف عن الأمي ، فالأمي هو الذي لا يعرف ، أما الجاهل فهو الذي يعرف قضية مخالفة للواقع ومتشبث بها .
{أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} والحق هنا يتساءل: هل يرغبون في الاستمرار بالاعتقاد الخاطئ الجاهل؟ والأمر مع الأمي - كما عرفنا - يختلف عن الأمر مع الجاهل ؛ لأنه يكفيك أن تقول للأمي العلم الذي تريد تعليمه إياه ويقبله منك ، أما الجاهل فلا بد للتعامل معه من عملين . . الأول أن تجعله يحذف ويستبعد من باله القضية الخاطئة ، والثاني أن تجعله يقتنع بالقضية الصحيحة . والذي يرهق الدعاة إلى الدين هم الجهلة هؤلاء الذين يعتقدون اعتقاداً خاطئاً يتضمن قضايا باطلة .