لكن ماذا إن كانت النسبة مجالاً للنفي ومجالأً للإثبات؟ إن كان النفي مساوياً للإثبات فهي نسبة شك . وإن غلب الإثبات فهذا ظن . وإن كان النفي راجحاً فذلك هو الوهم . وهكذا يتضح لنا أن قضية الجهل قضية صعبة ، والذي يسبب التعب في هذه الدنيا هم الجهلة ؛ لأنهم يعتقدون في قضايا خاطئة . فإذا كان هناك حكم من الله . فلماذا لا يرتضون إذن؟ أيريدون حكم الجاهلية؟ وكان أهل الكتاب أنفسهم يسفهون حكم الجاهلية .
ولنلحظ أن هذا التسفيه كان في زمن المواجهة بين الجاهلية وبين أهل الكتاب . وكانوا يستفتحون عن أهل المدينة ومكة . وكثيراً ما قالوا: لقد أظلّنا عهد نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم . ولكن ما إن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قالوا العكس ، ماذا قالوا للجاهلين؟ هاهوذا الحق يخبرنا بما قالوا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً} [النساء: 51]
وقد ذهب بعض من أحبار اليهود إلى قريش ، وسألهم بعض من سادة قريش: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم فأخبرونا عنا وعن محمد . فقال الأحبار: ما أنتم وما محمد؟ فقال سادة قريش: نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونفك العاني ونصل الأرحام ونسقي الحجيج وديننا القديم ودين محمد الحديث . فقال الأحبار: أنتم خير منه وأهدى سبيلا . وبذلك زوروا القول .
وينقل الرواة قصة أخرى في هذا الموضع ، أن واحداً من أحبار اليهود قال لأبي سفيان: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه . وقال الأحبار ذلك حسداً لرسول الله .
إذن فهل يرتضي أهل الكتاب حكم الجاهلية؟ لا . ولكنه التناقض والتضارب . وما داموا قد تناقضوا مع أنفسهم صار من السهل أن يتناقضوا مع الكتاب الذي نزل إليهم . ولذلك يتساءل الحق: