فهرس الكتاب
أما موسى عليه السلام فحين ألقى العصا أول مرة ووجدها حية خاف لأنه رأى في ذلك قلباً للحقيقة . أما عند السحرة فليست حبالهم حيات حقيقية ولكنها سحر لأعين الناس أي تخيل للناظر . ومثال آخر هو سيدنا سليمان عندما أرسل لبلقيس ملكة سبأ . وجاء رسوله يقول لها: {أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 31] .
فماذا قالت لحاشيتها من رجال القتال؟: {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حتى تَشْهَدُونِ} [النمل: 32] .
وهنا عرفت الحاشية أن المسألة تتطلب رأياً سياسياً ؛ فقالوا: {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمر إِلَيْكِ فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33] .
الرأي إذن هو من حق السياسي الذي يزن الأمور بموازين العقل وموازين الاحتمال الواقعة ، وموازين رد الفعل ، وأدارت بلقيس المعركة سياسياً ، فأرسلت هدية من مقام ملكة ، فإن راقته الهدية فهو طالب دنيا ويريد خيرها ، وعندما وصل رسلها بالهدية ، ماذا قال سليمان؟ {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارجع إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 36 - 37] .
وهنا عرفت بلقيس أن الإسلام أمر ضروري ، وها هي ذي الدقة لنعرف أن الأمر من المساوى هو الذي يعطي عزة في الآمر وذلة في المأمور ، أما إذا كان الأمر من غير المساوى ومن الأعلى - سبحانه - فلا ذلة فيه لأحد . وكان إيمان بلقيس إيماناً ملوكياً .
فقالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين} [النمل: 44] .