فهرس الكتاب
الحادية عشرة فإن قتله في إحرامه مرة بعد مرة حُكم عليه كلما قتله في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم ؛ لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم} فالنهي دائم مستمر عليه ما دام محرماً فمتى قتله فالجزاء لأجل ذلك لازم له.
وروي عن ابن عباس قال: لا يحكم عليه مرتين في الإسلام ، ولا يُحكم عليه إلا مرة واحدة ، فإن عاد ثانية فلا يُحكم عليه ، ويقال له: ينتقم الله منك ؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ} .
وبه قال الحسن وإبراهيم ومجاهد وشُرَيْح.
ودليلنا عليهم ما ذكرناه من تَمَادي التحريم في الإحرام ، وتوجه الخطاب عليه في دين الإسلام.
الثانية عشرة قوله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم} فيه أربع قراءات ؛"فَجَزَاءٌ مِثْلُ"برفع جزاء وتنوينه ، و"مِثْلُ"على الصفة.
والخبر مضمر ، التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النَّعم.
وهذه القراءة تقتضي أن يكون المِثل هو الجزاء بعينه.
و"جَزَاءُ"بالرفع غير منون و"مِثْلِ"بالإضافة أي فعليه جزاءُ مثل ما قتل ، و"مثل"مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك ، وأنت تقصد أنا أكرمك.
ونظير هذا قوله تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات} [الأنعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات ، وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] أي ليس كهو شيء .
وهذه القراءة تقتضي أن يكون الجزاء غير المثل ؛ إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه.
وقال أبو علي: إنما يجب عليه جزاء المقتول ، لا جزاء مثل المقتول ، والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء المقتول.
وهو قول الشافعي على ما يأتي.
وقوله:"مِنَ النَّعَمِ"صفة لجزاء على القراءتين جميعاً.