الثانية - الشهر الحرام، والمعنى فيه هو الجنس على رأى كثيرين، وهو ما نختاره إذ كان الناس يتقاتلون فإذا جاء ذلك الشهر امتنعوا عن القتال، فتعود القضب إلى أجفانها وتهدأ النفوس بعد ثورتها، وتقر بعد اضطرابها، والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، فيتمكن الناس من زيارة البيت الحرام آمنين مطمئنين حتى يتحللوا.
الثالثة - نعمة الهدى يساق إلى الكعبة من حيث الحجيج يحرمون، وقد يكون ذلك من أماكن بعيدة، فخير الأرض يصل إليهم موفورا، وخيرهم لَا تمتد إليه يد مجرم.
الرابعة - نعمة القلائد. وقد جاء في تفسير فخر الدين الرازي في بيان وجه النعمة فيها: (والوجه في كونها نعمة أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد، ومن قصده في غير الشهر الحرام، ومعه هدْي وقد قلَّده، وقلَّد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد، حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدْي مقلدا، أو يموت جوعا فلا يتعرض له ألبتة) .
(ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الإشارة للقيام، جعل الله تعالى ما شرعه للكعبة والحج من محرمات وشعائر، ومن تحريم الصيد، ومن الهدْي جعل كل هذا لتعلموا أن الله تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض. . . . وهنا توجد عدة أمور تثير النظر.
أولها - لماذا كانت تلك الشرائع المتعلقة سبيلا لمعرفة علم الله لما في السماوات وما في الأرض؟.
وثانيها - عند عطف الأرض على السماوات كرر ما في المعطوف والمعطوف عليه.
وثالثها - لماذا قرن علم الله تعالى بما في السماوات والأرض بعلمه تعالى بكل شيء، ولماذا تكون أحكام الحج والكعبة سبيلا لمعرفة علم الله تعالى العام المحيط بكل شيء.