والجواب عن هذه الأمور هو أن ما شرعه الله تعالى لمكة وما حولها وما فيها دليل على أن الله تعالى بعلم ما في السماوات وما في الأرض؛ لأن مكة في أرض جدبة لَا ماء فيها ولا شجر، وأنها جبال لَا ثمرة فيها، وأنه لَا خير يرجى من طبعها، كما قال إبراهيم - عليه السلام: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرع عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِْ. . .) . فالسماء لَا تجود عليها بغيثها منتظما والأرض لَا تجود عليها بإخراج إنزالها من معادن وفلزات سائلة وغير سائلة، فجعل الله سبحانه وتعالى الحج إليها. وحرم على المحرمين ما حرم من صيد ليبقى لهم ما عندهم من وفر في الحيوان المتأبد، ولتحمل من الأراضي الخصبة والغنية والتي فيها الثروات إلى تلك الأرض الجدبة؛ فينقل سبحانه من الفيض إلى الغيض ليعم الخير، وكانت بمكة كعبة للمسلمين، لأنها أرض لَا ترام من غاصب، ولا تراد من ظالم، ثم هي في وسط الأرض حتى قال علماء الأرضين: إن بيت الله تعالى الحرام في وسط أرض الله الواسعة، فهي نقطة الارتكاز في قطرها.
وقد يقال إن أرض العرب فيها البترول وفيها الزرع، ونقول إن ذلك بعيد عنها بمئات الأميال، بل ربما تجاوزت الحسبة الألف، فبينها وبين البترول البيداء الجرداء، فكان المتفهم لذلك التشريع لَا بد أن يؤمن بعلم الله بما في الأرض والسماء.
والجواب عن السؤال الثاني، هو أن تكرار (ما في) في قوله تعالى: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) فيه إشارة إلى دقة العلم، وأنه لَا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها، وتقديم السماوات على الأرض؛ لأن السماوات فيها مصدر الرزق، كما قال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) .