ثم أخبر عن ميثاق النصارى بقوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} [المائدة: 14] ، والإشارة أن الله تعالى أخذ الميثاق من اليهود والنصارى على التوحيد كما أخذ هذه الأمة يوم الميثاق ولكنه لما وكل الفريقين إلى أنفسهم نسوا ما ذكروا به ابتلوا بالنسيان والخذلان؛ فأخبر عن نسيان اليهود بقوله تعالى: {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة: 14] ، وعن نسيان النصارى بقوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة: 14] ، فما بقي للفريقين حظ من ذلك الميثاق.
{فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14] ، تحقيقه إذ لم يبق لهم حظ من ذلك الميثاق بإبطال الاستعداد الفطري بالكمال الإنساني صاروا أولئك كالأنعام بل هم أضل أي: كالسباع يتحاربون ويتحارشون ويتهارشون بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيامة فإن أرباب الغفلة لا ألفة بينهم، وإن أصحاب الوفاق لا وحشة بينهم، وأما هذه الأمة لما أبدت بالتأييد الإلهي إذ ذكروا به وقيل لنبيهم: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55] ، وقال تعالى خطابهم إذ ينسوا ولم ينقضوا ميثاقهم: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] ، على أن ذكره آبائهم كان قبل وجودهم وذكرهم إياه حين ذكرهم بالمحبة وقال: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .