والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها.
وقال الكلبى:"زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث، وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من الضلالة". وهذا اختيار الفراء.
وقال ابن زيد:"زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم، وما يستقبلون منها". والمعنى: على هذا زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فلا ينوون تركه.
فقول عدو الله تعالى: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْديِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} يتناول الدنيا والآخرة، وقوله: {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}
فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير، فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبطه عنه، وإن ملك السيئات عن الشمال ينهاه عنها فيأتيه الشيطان من تلك الجهة يحرضه عليها، وهذا يفصل ما أجمله في قوله: {فَبِعزَّتِكَ لأغْوِينَّهُمْ أَجْمَعينَ} [ص: 82] .
(فائدة)
في جمع لفظ الشمائل في قوله تعالى حكاية عن إبليس: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}
فإن الجمع هنا في مقابلة كثرة من يريد إغواءهم، فكأنه أقسم أن يأتي كل واحد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يحسن هنا عن يمينهم وعن شمالهم بل الجمع هاهنا من مقابلة الجملة بالجملة المقتضى توزيع الأفراد ونظيره: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} . انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...