المعروف وسلبه الأكثر بما أقدر عليه الملائكة من تأثير الفعل في الكائنات
كالتصوير، وجمع مواد الخلقة إلى غير ذلك مما يعبر عنه قوله: (كن فيكون)
فيكون إلا فيما عوضه منه من سبيل الإضلال، وفعل المنكر من
سحر وتزيين وما هو بسبيله.
(فصل)
قال الله عز من قائل في سورة (ص) (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(73)
إلى قوله: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) .
وقال في سورة الحجر: (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(32) .
وقال في هذه السورة: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)
وقال بعض من فسر هذا المعنى: إن"ألا"في قوله"تَسْجُدَ"زائدة ومعناه والله أعلم:
أن قوله (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) ألست أنا الذي منعتك من ذلك دلَّ
على هذا التوجيه قول إبليس، لعنه الله: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) وقوله:
(بِمَا أَغْوَيْتَنِي) وبوجهٍ آخر يكون معناها: ألا فعلت كذا؟ فتقرب على ذلك من
معنى"هلا" (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(32) . وكان من حكم"هلا"
مجاورة الفعل الماضي، يقال من ذلك: ألا فعلت كذا كما قال: هلا فعلت كما يقول
القائل في حال المعتبة لمخاطبه: مالك يا هذا تأبى من كذا ألا فعلت كذا؟ أو هلا
فعلت فتكون بذلك كذا؛ فيكون معنى قوله: (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(32)
مالك ألا سجدت فتكون مع الساجدين من الملائكة والمهتدين من
ذريته.
وجاء هَاهُنَا ذكر السجود بلفظ المستقبل في قوله: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ)
وما منعك ألا تكون مع الساجدين؛ لكن هنا الخطاب مركب من
معنيين:
أحدهما: ما تقدم ذكره من تعجيزه وانفراد العلي الكبير - عز جلاله - بالقدرة،
ومعنى السببية التي خضع لها وخشع بقوله: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) .
والمعنى الآخر: هو تأنيبه وتوقيفه على مخالفة الأمر وتهديده، عبَّر عن
هذا المعنى قوله في (ص) : (يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ(75) .