ومما يدل على فضل تلك الاثنينية قوله صلى الله عليه وسلم مسكناً جأش أبي بكر:"ما ظنك باثنين الله تعالى ثالهما"والصحبة اللغوية وان لم تدل بنفسها على المدعي لكنها تدل عليه بمعونة المقام أيضاً فإضافة صاحب إلى الضمير للعهد أي صاحبه الذي كان معه في وقت يجفو فيه الخليل خليله ورفيقه الذي فارق لمرافقته أهله وقبيله ، وأن {لاَ تَحْزَنْ} ليس الالمقصود منه حقيقة النهي عن الحزن فإنه من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بل المقصود منه التسلية للصديق رضي الله تعالى عنه أو نحوها ، وما ذكروه من الترديد يجري مثله في قوله تعالى خطاباً لموسى.
وهارون عليهما السلام: {لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا} [طه: 46] وكذا في قوله سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} [يونس: 65] إلى غير ذلك ، أفترى ان الله سبحانه نهى عن طاعته؟ أو أن أحداً من أولئك المعصومين عليهم الصلاة والسلام ارتكب معصية سبحانك هذا بهتان عظيم ، ولا ينافي كون الحزن من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بالنظر إلى نفسه انه قد يكون مورداً للمدح والذم كالحزن على فوات طاعة فإنه ممدوح والحزن على فوات معصية فإنه مذموم لأن ذلك باعتبار آخر كما لا يخفى ، وما ذكر في حيز العلاوة من أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه فيه من ارتكاب الباطل ما فيه فانا لا نسلم أن الخوف يدل على الجبن وإلا لزم جبن موسى وأخيه عليهما السلام فما ظنك بالحزن؟ وليس حزن الصديق رضي الله تعالى عنه بأعظم من الاختفاء بالغار ، ولا يظن مسلم أنه كان عن جبن أو يتصف بالجبن أشجع الخلق على الإطلاق صلى الله عليه وسلم ؟ ، ومن أنصف رأى أن تسليته عليه الصلاة والسلام لأبي بكر بقوله: {لاَ تَحْزَنْ} كما سلاه ربه سبحانه بقوله: