فهرس الكتاب
{يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} ..
فقد سارت عليها الفتوح الإسلامية ، تواجه من يلون"دار الإسلام"ويجاورونها ، مرحلة فمرحلة. فلما أسلمت الجزيرة العربية - أو كادت ولم تبق إلا فلول منعزلة لا تؤلف قوة يخشى منها على دار الإسلام بعد فتح مكة - كانت غزوة تبوك على أطراف بلاد الروم. ثم كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس ، فلم يتركوا وراءهم جيوباً ؛ ووحدت الرقعة الإسلامية ، ووصلت حدودها ، فإذا هي كتلة ضخمة شاسعة الأرجاء ، متماسكة الأطراف ؛ .. ثم لم يأتها الوهن فيما بعد إلا من تمزقها ، وإقامة الحدود المصطنعة فيما بينها على أساس ملك البيوت ، أو على أساس القوميات! وهي خطة عمل أعداء هذا الدين على التمكين لها جهد طاقتهم وما يزالون يعملون.
وستظل هذه الشعوب التي جعل منها الإسلام"أمة واحدة"في"دار الإسلام"المتصلة الحدود - وراء فواصل الأجناس واللغات والأنساب والألوان - ستظل ضعيفة مهيضة إلا أن تثوب إلى دينها ، وإلى رايته الواحدة ؛ وإلا أن تتبع خطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتدرك أسرار القيادة الربانية التي كفلت لها النصر والعز والتمكين.
ونقف مرة أخرى أمام قوله تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ، واعلموا أن الله مع المتقين} ..
فنجد أمراً بقتال الذين يلون المسلمون من الكفار. لا يذكر فيه أن يكونوا معتدين على المسلمين ولا على ديارهم.. وندرك أن هذا هو الأمر الأخير ، الذي يجعل"الانطلاق"بهذا الدين هو الأصل الذي ينبثق منه مبدأ الجهاد ، وليس هو مجرد"الدفاع"كما كانت الأحكام المرحلية أول العهد بإقامة الدولة المسلمة في المدينة.