سؤال مريب ، لا يقوله إلا الذي لم يستشعر وقع السورة المنزلة في قلبه. وإلا لتحدث عن آثارها في نفسه ، بدل التساؤل عن غيره. وهو في الوقت ذاته يحمل رائحة التهوين من شأن السورة النازلة والتشكيك في أثرها في القلوب!
لذلك يجيء الجواب الحاسم ممن لا راد لما يقول:
{فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون ، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} ..
فأما الذين آمنوا فقد أضيفت إلى دلائل الإيمان عندهم دلالة فزادتهم إيماناً ؛ وقد خفقت قلوبهم بذكر ربهم خفقة فزادتهم إيماناً ؛ وقد استشعروا عناية ربهم بهم في إنزال آياته عليهم فزادتهم إيماناً.. وأما الذين في قلوبهم مرض ، الذين في قلوبهم رجس من النفاق ، فزادتهم رجساً إلى رجسهم ، وماتوا وهم كافرون.. وهو نبأ من الله صادق ، وقضاء منه سبحانه محقق.
وقبل أن يعرض السياق الصورة الثانية لاستجابتهم يسأل مستنكراً حال هؤلاء المنافقين الذين لا يعظهم الابتلاء ، ولا يردهم الامتحان:
{أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون؟} .
والفتنة كانت تكون بكشف سترهم ، أو بنصر المسلمين بدونهم ، أو بغيرهما من الصور ، وكانت دائمة الوقوع كثيرة التكرار في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما يزال المنافقون يفتنون ولا يتوبون!
فأما الصورة الحية أو المشهد المتحرك فترسمه الآية الأخيرة ، في شريط متحرك دقيق:
{وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا. صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون!} .
وإننا - حين نتلو الآية - لنستحضر مشهد هؤلاء المنافقين وقد نزلت سورة. فإذا بعضهم ينظر إلى بعض ويغمز غمزة المريب:
{هل يراكم من أحد؟} ..
ثم تلوح لهم غرة من المؤمنين وانشغال فإذا هم يتسللون على أطراف الأصابع في حذر:
{ثم انصرفوا} ..