بدورِ الشمسِ فيها السنةُ الشمسيَّةُ ، فإذا دارَ القمر فيها كلِّها كمُلَتْ دورتُهُ السنويةُ ، وإنما جعلَ اللَّهُ الاعتبارَ بدورِ القمرِ ، لأنَّ ظهورَهُ في السماءِ لا
بحتاجُ إلى حسابٍ ولا كتاب ، بل هو أمرٌ ظاهرٌ يُشاهدُ بالبصرِ ، بخلافِ سيرِ
الشمس ؛ فإنه تحتاجُ معرفته إلى حساب وكتابٍ ، فلم يُحوِجْنا إلى ذلكَ ، كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
"إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نكتبُ وَّلَا نحسُبُ ، الشهرُ هكذا وهكذا وهكذا"
وأشارَ بأصابعِهِ العشْرِ ، وخنَسَ إبهامَهُ في الثالثةِ.
"صُومُوا لرؤيتِهِ وأفطِرُوا لرؤيته ، فإنْ غُمَّ عليكم فأكمِلُوا العدَّة"
وإنما علَّق اللَهُ تعالى على الشمس أحكامَ اليومِ من الصَّلاةِ والصِّيام ، حيثُ كان ذلك أيضًا مشاهدًا بالبصرِ لا يحتاجُ إلى حسابٍ ولا كتابٍ ، فالصلاةُ تتعلَّقُ بطلوع الفجر ، وطلوع الشمسِ ، وزوالها وغروبِها ، ومصيرِ ظلِّ الشيء مثله. وغروبِ الشفقِ ، والصيامُ يتوقَّتُ بمدة النهارِ من طلوع الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.
وقوله تعالى: (وَالْحِسَابَ) ، يعني بالحسابِ: حسابَ ما يحتاج إليه النَّاسُ
من مصالح دينهم ودنياهم ، كصيامِهِم ، وفطرِهِم ، وحجِّهم ، وزكاتِهِم.
ونذورِهِم ، وكفَّاراتِهِم ، وعِددِ نسائِهم ، ومُدَد إيلائِهم ، ومُدَدِ إجاراتِهِم.
وحُلول آجال دُيونهم ، وغير ذلك ممَّا يتوقَّتُ بالشهورِ والسنينَ.
وقد قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) ، فأخبر أنَّ الأهلَّةَ مواقيتُ للناسِ عمومًا ، وخصَّ الحجَّ من بينِ ما
يُوقَّتُ به ، للاهتمامِ به ، وجعلَ اللَّهُ سبحانه وتعالى في كلِّ يومٍ وليلةٍ لعباده
المؤمنينَ وظائفَ مُوظَّفةً عليهم من وظائفِ طاعتِهِ ، فمنها ما هو مفترضٌ
كالصلواتِ الخمسِ. ومنها ما يُنْدَبون إليهِ من غير افتراضٍ ، كنوافلِ الصلاةِ
والذكر وغير ذلك.