وسابق بالخيراتِ بإذنِ اللهِ.
فالظالم لنفسهِ: هم الأكثرونَ منهُم ، وأكثرُهم وقفَ مع زهرةِ الدنيا
وزينتِها ، فأخذَها من غيرِ وجهِها ، واستعمَلَها في غيرِ وجهِهَا ، وصارتِ الدنيا أكبرَ همِّه ، لها يغضبُ ، وبها يرضَى ، ولها يُوالي ، وعليها يُعادِي ، وهؤلاءِ هم أهلُ اللَّهوِ واللَّعبِ والزِّينةِ والتَّفاخرِ والتَّكاثرِ ، وكلُّهم لم يعرفِ المقصودَ من الدنيا ولا أنها منزلُ سفرٍ يتزوَّدُ منها لما بعدَها منْ دارِ الإقامةِ ، وإن كانَ أحدُهم يؤمن بذلك إيمانًا مجمَلاً فهُوَ لا يعرفُه مفصَّلاً ، ولا ذاقَ ما ذاقَهُ أهلُ المعرفة باللَّهِ في الدَّنيا ممَّا هو أنموذجُ ما ادَّخرَ لهم في الآخرة.
والمقتصدُ منهم: أخذَ الدنيا منْ وجوهِهَا المباحةِ ، وأدَّى واجباتِهَا ، وأمسَكَ
لنفسِهِ الزَّائدَ على الواجبِ يتوسَّعُ به في التمتع بشهواتِ الدنيا ، وهؤلاءِ قد
اختُلفَ في دخولِهِم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكرُهُ ، ولا عقابَ
عليهم في ذلكَ ، إلا أنه ينقصُ من درجاتِهِم من الآخرةِ بقدرِ توسُّعهم في
الدنيا.
قال ابنُ عمرَ: لا يصيبُ عبدٌ من الدنيا شيئًا إلا نقصَ من درجاتِهِ عندَ
اللهِ ، وإن كان عليه كريمًا.
خرَّجه ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ جيدٍ.
وروي مرفوعًا من حديثِ عائشةَ بإسنادٍ فيه نظر.
وروى الإمامُ أحمدُ في كتابِ"الزهدِ"بإسنادِهِ: أنَّ رجلاً دخل عَلى معاويةَ
فكساهُ ، فخرجَ فمر على أبي مسعود الأنصاريَ ورجلٍ آخرَ من الصَّحابةِ.
فقالَ أحدُهُما له: خذها منْ حسناتِك ، وقال الآخرُ: من طيِّباتِك.
وبإسنادِهِ عن عمرَ قال: لولا أن تنقصَ حسناتِي لخالطتكم في لِين
عَيْشِكُم ، ولكنِّي سمعتُ اللَّهَ عيَرَ قومًا فقال:(أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُم
الدُّنْيَا).
وقال الفُضيلُ بنُ عياضٍ: إن شئتَ استقلَّ من الدُّنيا ، وإن شئتَ استكثرْ
منها ، فإنَّما تأخُذُ من كِيسكَ.