وقال الجنيد: فضل الله تعالى في الابتداء ورحمته في الانتهاء وهو مناسب لما قلنا ، وقال الكتاني: فضل الله تعالى النعم الظاهرة ورحمته النعم الباطنة وقيل غير ذلك ، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ} أي أخبروني ما أنزل الله سبحانه من رزق معنوي كالمعارف الحقانية وكالآداب الشرعية {فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا} كالقسم الأول حيث أنكرتموه على أهله ورميتموه بالزندقة {وَحَلاَلاً} كالقسم الثاني حيث قبلتموه {قُلِ الله أَذِنَ لَكُمْ} في الحكم بالتحليل والتحريم {أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] في ذلك ، ثم أنه سبحانه أوعد المفترين بقوله عز من قائل: {وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ} الخ ، ففي الآية إشارة إلى سوء حال المنكرين على من تحلى بالمعارف الإلهية ، ولعل منشأ ذلك زعمهم انحصار العلم فيما عندهم ولم يعلموا أن وراء علومهم علوماً لا تحصى يمن الله تعالى بها على من يشاء ، وفي قوله تعالى: {وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً} [طه: 114] إشارة إلى ذلك فما أولاهم بأن يقال لهم: {مَا أُوتِيتُمْ مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] ومن العجيب أنهم إذا سمعوا شيئاً من أهل الله تعالى مخالفاً لما عليه مجتهدوهم ردوه وقالوا: زيغ وضلال واعتمدوا في ذلك على مجرد تلك المخالفة ظناً منهم أن الحق منحصر فيما جاء به أحد أولئك المجتهدين مع أن الاختلاف لم يزل قائماً بينهم على ساق.