فهرس الكتاب
والجواب: الأقرب أنه لا يصح ، لأن في تلك الحالة إما أن يقال التكليف كان ثابتاً أو ما كان ثابتاً ، فإن كان ثابتاً لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة ، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة ، لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} [المائدة: 2] وأيضاً فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة ، لأن الأخرس قد يتوب بأن يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح ، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة ، وأيضاً لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر ، والرضا بالكفر كفر ، وأيضاً فكيف يليق بالله تعالى أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى} [طه: 44] ثم يأمر جبريل عليه السلام بأن يمنعه من الإيمان ، ولو قيل: إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى ، فهذا يبطله قول جبريل {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ} [مريم: 64] وقوله تعالى في صفتهم: {وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28] وقوله: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27] وأما إن قيل: إن التكليف كان زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت ، فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي نسب جبريل إليه فائدة أصلاً.
ثم قال تعالى: {فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ} وفيه وجوه: الأول: {نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ} أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.
الثاني: نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ولكن بعد أن تغرق.
وقوله: {بِبَدَنِكَ} في موضع الحال ، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا روح فيك.
الثالث: أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم ، كما في قوله: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}