بحضور الموت
ومعاينة الملائكة ، وإنما قال له: وكنت من المفسدين في مقابلة قوله وأنا من المسلمين ، ومنها أنّ فرعون إنما قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما نزل به من البلية الحاضرة ، ولم يكن قصده الإقرار بوحدانية الله تعالى والاعتراف له بالربوبية ، فلم ينفعه ما قال في ذلك الوقت ، ومنها: أنّ فرعون كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق سبحانه وتعالى ولذلك قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، فلم ينفعه ذلك لحصول الشك في إيمانه ، ومثل هذا الاعتقاد الفاسد لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية والدلائل اليقينية.
ومنها: ما روي في بعض الكتب أنّ بعض أقوام بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت فكانت هذه الكلمة في حقه سبباً لزيادة الكفر ، ومنها: أنّ الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى وبالإقرار بنبوّة موسى عليه السلام ، وفرعون لم يقرّ بالنبوّة فلم يصح إيمانه ، ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرّة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمانه إلا إذا قال معه: وأشهد أنّ محمداً رسول الله فكذا هنا. ومنها: أنّ جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتوى ، ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادّعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه يقول: أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج عن سيده الكافر بنعمته أن يغرّق في البحر ، ثم أنّ فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام إليه خطه. فإن قيل: فما فائدة دس جبريل في فم فرعون ذلك ؛ لأنه في تلك الحالة إمّا أن يكون التكليف ثابتاً أم لا؟ فإنّ كان فكيف يمنعه من التوبة ، وإن كان غير مكلف فلا فائدة في ذلك ؟