إذن: فللصلاة أمر ، وللصلاة نهي ، وما دام قد ثبت لشيء حكم ؛ يثبت له مقابله ، وأنت تسمع من يقول لآخر: أنت تصلي لذلك فأنا أثق في أمانتك وتسمع إنساناً آخر ينصح صديقاً بقوله: كيف تسمح لنفسك أن ترتكب هذا الإثم وأنت خارج من الصلاة؟
وكثير من الناس يغفلون عن أن التقابل في الجهات إنما يحل مشاكل متعددة ؛ فيأخذون جهة ويتركون الأخرى .
ولذلك أقول: ما دام الحق سبحانه قد قال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فلا بد أنها تأمر بالبر والخير .
ومثال آخر: نجده في قول الحق سبحانه عن غرق قوم فرعون:
{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض} [الدخان: 29] .
وما دام الحق سبحانه وتعالى قد نفى بكاء السماوات والأرض على قوم فرعون ؛ ففي المقابل فلا بد أنها تبكي على قوم آخرين ؛ لأن السماوات والأرض من المسخّرات للتسبيح ، وقال الحق سبحانه عنهما:
{إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} [الأحزاب: 72] .
وبهذا القول اختارت كل من السماوات والأرض مكانة الكائنات المسبِّحة ، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] .
فإذا رأت السماوات والأرض إنساناً مُسبِّحاً ؛ فلا بد أن تحبه ، وإن رأت إنساناً كافراً ، معانداً ؛ فلا بد أن تكرهه .
وما دامت السماوات والأرض لم تبكِ على قوم فرعون ؛ فذلك لأنهم ضالون ؛ لأنها لا تبكي إلا على المهديين .
وقد حلَّ لنا الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هذه المسألة ؛ فقال:"إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في الأرض ، وموضع في السماء ، أما موضعه الذي في الأرض ؛ فمصلاّه ، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله".
لأن موضعه الذي كان يصلي فيه ؛ يُحرم من أن واحداً كان يصلي فيه ، وأما موضعه الذي كان يصعد منه عمله ؛ فيفتقد رائحة عبور العمل الصالح .