واستسلف الزمخشري قوله: قد ذكر عملهم على مكانتهم ، وعمله على مكانته ، فبنى على ذلك سؤالاً فاسداً ، لأن المترتب على ما ليس مذكوراً لا يصح البتة ، وجميع الآية والتي قبلها إنما هي بالنسبة إليهم على سبيل التهديد ، ونظيره في سورة تنزيل: {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم} فهذا جاء بالنسبة للمخاطبين في قوله: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم كما جاء هنا ، وارتقبوا: انتظروا العاقبة ، وما أقول لكم.
والرقيب بمعنى الراقب فعيل للمبالغة ، أو بمعنى المراقب كالعشير والجليس ، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع ، ويحسن هذا مقابلة فارتقبوا.
وقال الزمخشري: (فإن قلت) : ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو والساقتان الوسطيان بالفاء؟ (قلت) : قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد وذلك قوله: {إن موعدهم الصبح} {ذلك وعد غير مكذوب} فجيء بالفاء التي للتسبب كما تقول: وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت ، وأما الأخريان فلم يقعا بتلك المنزلة ، وإنما وقعتا مبتدأتين ، فكان حقهما أن يعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما؟ كما تعطف قصة على قصة انتهى.
وتقدم تفسير مثل ولما جاء أمرنا إلى قوله كان لم يغنوا فيها.
وقرأ السلمي وأبو حيوة: كما بعدت بضم العين من البعد الذي هو ضد القرب ، والجمهور بكسرها ، أرادت العرب التفرقة بين البعد من جهة الهلاك ، وبين غيره ، فغيروا البناء وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتبار المعنى البعد من غير تخصيص كما يقال: ذهب فلان ، ومضى في معنى القرب.
وقيل: معناه بعد الهم من رحمة الله كما بعدت ثمود منها.
وقال ابن قتيبة: بعد يبعد إذا كان بعده هلكة ، وبعد يبعد إذ أتاني.
وقال النحاس: المعروف في اللغة بعد يبعد بعداً وبعداً إذا هلك.
وقال المهدوي: بعد يستعمل في الخير والشر ، وبعد في الشر خاصة.