(فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) .
سألوا الحجة على ما دعوا إليه من ألوهية اللَّه تعالى وربوبيته، أو على ما ادعوا من الرسالة من اللَّه، وفي كل شيء وقع عليه بصرهم دلالة وحدانية اللَّه وألوهيته، لكنهم سألوا ذلك سؤال تعنت وعناد، وكذلك قد أقاموا الحجج على ما ادعوا من الرسالة؛ لكنهم تعاندوا وكابروا في ردّ ذلك فسألوا سؤال آية وحجة؛ تضطرهم وتقهرهم على ذلك، أو يكون عند إتيانها هلاكهم؛ فأجابهم الرسل فقالوا: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: ما كان لنا أن نأتيكم بآية تكون بها هلاككم؛ إنما ذلك إلى اللَّه: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل.
وقوله: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ...(11)
أي: ما نحن إلا بشر مثلكم، أولكن اللَّه يمن على من يشاء، في دلالة، رد قول الباطنية؛ لأنهم ينكرون كون الرسالة في جوهر البشرية؛ ويقولون: إنما تكون الرسالة في جوهر الروحانية؛ فهم - صلوات اللَّه عليهم وسلامه - إنما أجابوا قومهم؛ حيث قالوا لهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ وقولهم: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ولم يذكروا شيئًا سوى البشرية؛ فدل أن قول الباطنية باطل؛ حيث قالوا: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) .
(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) .
فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه لا يختص أحدًا بالرسالة؛ إلا من كان منه ما يستحق به الرسالة؛ وهم صلوات اللَّه عليهم؛ لم يذكروا سوى منة اللَّه عليهم، دل أنه يمن عليهم ويختصهم؛ لا بشيء من الاستحقاق ويكون منهم من الأعمال؛ ولكن بالمنة والفضل منه عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .