قوله تعالى: {مُدْخَلَ صِدْقٍ..} [الإسراء: 80] أي: من حيث النظرة العامة ؛ لأنك قبل أنْ تدخلَ اطلب الخروج أولاً ؛ لأنك لن تدخلَ إلا بعد أنْ تخرجَ. وإنْ كان الترتيب الطبيعي أن تقول: أخرجني مُخْرَج صدق ، وأدخلني مُدْخَل صدق.
نقول: لا ، لأن الدخول هو غاية الخروج ، ولأن الخروج متروك والدخول مستقبل لك ، إذن: الدخول هو الأهمّ فبدأ به. لذلك يقولون: إياك أنْ تخرجَ من أمر إلا إذا عرفتَ كيف تدخل.
ومعنى مخرجَ الصدق ، ومدخل الصدق ، أنك لا تدخل أو تخرج بدون هدف ، فإنْ خرجتَ من مكان فليكُن مخرجك مخرج صدق ، يعني: مطابقاً لواقع مهمتك ، وإنْ دخلتَ مكاناً فليكُنْ دخولك مدخل صدق. أي: لهدف محدد تريد تحقيقه. فإن دخلتَ محلاً مثلاً فادخل لهدف ، كشراء سلعة مثلاً ، فهذا دخول صِدْق ، أما لو دخلتَ دون هدف أو لتؤدي خَلْق الله ، فليس في هذا دخول صدق.
إذن: يكون دخولك لله وخروجك لله ، وهكذا خرج رسول الله من مكة ودخل المدينة ، فكان خروجه لله ودخوله لله ، فخرج مُخْرجَ صِدْق ، ودخل مُدخَل صدق ، لأنه صلى الله عليه وسلم ما خرج من مكة إلا لما آذاه قومه واضطهدوه وحاربوا دعوته حتى لم تعُدْ التربة في مكة صالحة لنمو الدعوة ، وما دخل المدينة إلا لما رأى النُّصْرة والمؤازرة من أهلها.
فالصدق أنْ يطابق الواقع والسلوك ما في نفسك ، فلا يكُنْ لك قصور في نفسك ، ولك حركة مخالفة لهذا القصد.
ثم يقول تعالى: {وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} [الإسراء: 80]
طلب النُّصْرة من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه أرسله بمنهج الحق ، وسوف يصطدم هذا الحق بأهل الباطل والفساد الذين يحرصون على الباطل ، وينتفعون بالفساد ، وهؤلاء سوف يُعَادُون الدعوة ، ويُجابِهونها ؛ لذلك توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه تعالى الذي أرسله واستعان به على مواجهة أعدائه.