والفاء على ما يقتضيه كلامهم فصيحة أي فحي وسقط في البحر فاتخذ ، وقدر بعضهم المعطوف عليه الذي تفصح عنه الفاء بالواو على خلاف المألوف ليدفع به الاعتراض على كون الحال الذي نسيه يوشع ما رأى من حياته ووقوعه في البحر بأن الفاء تؤذن بأن نسيانه عليه السلام كان قبل حياته ووقوعه في البحر واتخاذه سرباً فلا يصح اعتبار ذلك في الحال المنسي.
وأجيب بأن المعتبر في الحال هو الحياة والوقوع في البحر أنفسهما من غير اعتبار أمر آخر والواقع بعدهما من حيث ترتب عليهما الاتخاذ المذكور فهما من حيث أنفسهما متقدمان على النسيان ومن حيث ترتب الاتخاذ متأخران وهما من هذه الحيثية معطوفان على نسيا بالفاء التعقيبية ، ولا يخفى أنه سيأتي في الجواب إن شاء الله تعالى ما يأبى هذا الجواب إلا أن يلتزم فيه خلاف المشهور بين الأصحاب فتدبر ، وانتصاب {سَرَباً} على أنه مفعول ثان لاتخذ و {فِى البحر} حال منه ولو تأخر كان صفة أو من السبيل ، ويجوز أن يتعلق باتخذ ، و {فِى} في جميع ذلك ظرفية.
وربما يتوهم من كلام ابن زيد حيث قال: إنما اتخذ سبيله في البر حتى وصل إلى البحر فعام على العادة أنها تعليلية مثلها في أن امرأة دخلت النار في هرة فكانه قيل فاتخذ سبيله في البر سرباً لأجل وصوله إلى البحر ، ووافقه في كون اتخاذ السرب في البر قوم ، وزعموا أنه صادف في طريق في البر حجراً فنقبه ، ولا يخفى أن القول بذلك خلاف ما ورد في"الصحيح"مما سمعت والآية لا تكاد تساعده ، وجوز أن يكون مفعولاً اتخذ {سَبِيلِهِ وَفِى البحر} وسرباً حال من السبيل وليس بذاك ، وقيل حال من فاعل اتخذ وهو بمعنى التصرف والجولان من قولهم فحل سارب أي مهمل يرعى حيث شاء ، ومنه قوله تعالى: {وَسَارِبٌ بالنهار} [الرعد: 109] وهو في تأويل الوصف أي اتخذ ذلك في البحر متصرفاً ، ولا يخفى أنه نظير سابقه.