والقاعدة المقررة في الأصول: هي أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع وإلا فالترجيح بينهما ، وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم ، فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة ، ووقت جواز ، وحملوا حديث ابن عباس: على وقت الفضيلة ، وحديث عائشة: على وقت الجواز ، وله وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.
أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة ، قبل طلوع الشمس ، لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة ، وليس شيء منها في الأقوياء الذكورن وقد قدمنا أن قياس القوي على الضعيف الذي رخص له من أجل ضعفه قياس مع وجود الفارق ، وهو مردود كما هو مقرر في الأصول وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
والفرق بين الأصل والفرع قدح... إبداء مختص بالأصل قد صلح
أو مانع في الفرع. إلخ... ومحل الشاهد منه قوله: إبداء مختص بالأصل قد صلح ، لأن معترض قياس القوي على الضعيف في هذه المسألة يبدي وصفاً مختصاً بالأصل ، دون الفرع صالحاً للتعليل ، وهو الضعف ، لأن الضعف الموجود في الأصل ، المقيس عليه ، الذي هو علة الترخيص المذكور ، ليس موجوداً في الفرع المقيس الذي هو الذكر القوي كما ترى والعلم عند الله تعالى.
الفرع السادس: اعلم أن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى آخر نهار يوم النحر ، فمن رماها قبل الغروب من يوم النحر فقد رماها في وقت لها.
قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر ، قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن مستحباً لها انتهى منه بواسطة نقل ابن قدامة في المغني فإن فات يوم النحر ، ولم يرمها فقال بعض أهل العلم: يرميها ليلاً والذين قالوا: يرميها ليلاً: منهم من قال: رميها ليلاً أداء لا قضاء ، وهو أحد وجهين مشهورين للشافعية حكاهما صاحب التقريب ، والشيخ أبو محمد الجويني ، وولده إمام الحرمين ، وآخرون.