فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 301533 من 466147

ومن حكمة الله - عز وجل - أنْ جعل في كذب الكاذب مَنْفذاً للحق ، وثغرات نصل منها إلى الحقيقة ؛ لذلك يقول رجال القضاء: ليست هناك جريمة كاملة أبداً ، لا بُدَّ أنْ يترك المجرم قرينة تدلُّ عليه مهما احتاط لجريمته ، كأن يسقط منه شيء ولو أزرار من ملابسه ، أو ورقة صغيرة بها رقم تليفون . . إلخ ، لذلك نقول: الجريمة لا تفيد ؛ لأن المجرم سيقع لا محالة في يد مَنْ يقتصُّ منه .

ولرجال القضاء ووكلاء النيابة مقدرة كبيرة على استخلاص الحقيقة من أفواه المجرمين أنفسهم ، فيظل القاضي يحاوره إلى أنْ يجد في كلامه ثغرةً أو تضارباً يصل منه إلى الحقيقة .

ذلك لأن للصدق وجهاً واحداً لا يمكن أنْ يتلجلج صاحبه أو يتردد ، أمّا الكذب فله أكثر من وجه ، والكاذب نفسه لو حاورتَهُ أكثر من مرة لوجدتَ تغييراً وتضارباً في كلامه ؛ لذلك العرب يقولون: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً . يعني: تذكَّر ما قُلْته أولاً ، حتى لا تُغيِّره بعد ذلك .

ومن أمثلة الكذب الذي يفضح صاحبه قَوْلُ أحدهم للآخر: هل تذكر يوم كنا في مكان كذا ليلة العيد الصغير ، وكان القمر ظهراً!! فقال: كيف ، يكون القمر مثل الظهر في آخر الشهر؟

وقد يلجأ القاضي إلى بعض الحِيَل ، ولا بُدَّ أنْ يستخدم ذكاءه لاستجلاء وجه الحق ، كالقاضي الذي احتكم إليه رجلان يتهم أحدهما الآخر بأنه أخذ ماله أمانة ، ثم أخذها لنفسه ودفنها في موضع كذا وكذا ، فلما حاور القاضي المتهم أنكر فانصرف عنه ، وتوجَّه إلى صاحب الأمانة ، وقال له: اذهب إلى المكان ، وابحثْ لعلَّك تكون قد نسيتَه هنا أو هناك .

أو لعلّ آخر أخذه منك ، فذهب صاحب المال ، وفجأة سأل القاضي المتهم: لماذا تأخر فلان طوالَ هذا الوقت؟ فردَّ المتهم: لأن المكان بعيدٌ يا سيادة القاضي . فخانتْه ذاكرته ، ونطق بالحق دون أن يشعر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت